الاثنين، 4 يوليو 2011

ناس ما بتيجي إلا بالسك...




رشا فرحات
في صباي، أقصد منذ عدة سنوات، بعدين تفتكروا أني صرت ختيارة ولا أشي، منذ سنوات، كنت أتعامل مع بقية البشر بأسلوب المتحضرين، أقصد المغفلين إلى حد ما، أقصد أنني كنت واحدة من أصحاب نظرية الحوار والحوار، في كل وقت وكل زمان ومكان، ولا ضرب، لا إهانة،... لا سك، لأي كان مهما صدر عنه، وأصرخ في كل المحافل " خليكو عاد ناس متحضرين بكفي همجية، متى سنصبح مجتمعاً متحضراً، متى؟!!!" مع أن الكثيرون قالوا لي أنهم من أتباع نظرية" في ناس ما بتيجي إلا بالسك"، 

لكني أبيت أن اصدق ذلك، وكنت باستمرار اردد أن التفاهم والرقة في الرد والحوار، هو أساس المحبة بين البشر، فإذا أردت أن تملك شخصاً فلتحتويه بكل ما أوتيت من رقة وبأسلوب مؤدب تعطيه كل ما يريد فيرضى عنك، والصدق يولد صدقاً، والأدب يولد أدباً، ولم أكن أعرف أن الأدب والاحترام والصبر على إيذاء الناس،" يولد ثور بقرنين، الذي هو سيادة حضرتي المغفلة"  لأني لم أستطع مجاراة عدد الناس الذين استغلوني ليس بسبب أنني مغفلة" والعياذ بالله"، ولكن بسبب طيبتي وأدبي واحترامي، وعدم قدرتي على تطبيق مبدأ " في ناس بتجيش إلا بالسك".   ولأضرب مثالاً على ذلك، قالوا أن الشرطة في غزة نازلة في الناس ضرب عمال على بطال، وهوجمت الشرطة بكل ما أوتيت من قوة الصرخات الشعبية، وأصبح الطالع ينتف في ريش الشرطة، والنازل ينق في رأس الشرطة، ، 

فمنذ عام تقريباً حصل شجار أمام بيت زميلتي وهي كاتبة تدعي ذات المثل، أو أقصد كانت تتبنى ذات المثل التي أتبناها، أقصد التي كنت أتبناها، المهم، نعود إلى الشجار الذي دار بين عائلتين على مرمى من أعين صديقتي التي تتفرج من نافذة بيتها، تشاجرت العائلتان، "ونزلو في بعض، في عرض الطريق" طخ طخ طيخ" حتى أتت الشرطة، وفكت الشجار وبالهداوة والحوار والحنان والعطف والطبطبة، عاد كل من الطرفين إلى منزله وعاد رجال الشرطة سالمين إلى مقر عملهم، ولم يمضي نصف ساعة إلا وعادت العائلتين إلى عرض الشارع" طخ طيخ طخ" وأتت الشرطة وبالهداوة والحوار والحنان والطبطبة، والعطف، حتى عادت المياه إلى مجاريها وعاد كل من الطرفين إلى منزله، وعادت الشرطة إلى مقرها، وبعد نصف ساعة عاد الفريقين إلى ميدان القتال، وأصبحوا خبرة هذه المرة، فاستخدموا كل ما رأوه أمامهم من أحذية، وممتلكات عامة ، وأخرى خاصة أتو بها معهم من المنازل، وطخ طيخ طوخ ، والي ما يشتري يتفرج، وهنا أتت الشرطة، لتطبق قانوناً أخر، فبدأت بالهراوة والعصي وضرب في كل من المتشاجرين" ووين الي توجعك" ولا أخفي عليكم، المرة هاي صار المفيد، عاد كل منهم الي بيته، ولم يخرج منه منذ ذلك الوقت، ولم يجرؤ حتى على النظر من نافذة غرفة نومه.  قولي عاد نظرية " ناس بتجيش إلا بالسك" قد تكون صحيحة في كثير من الأحيان .  

فمثلا في كثير من الأحيان تركب مع سائق سيارة أجرة، يقف في منتصف الطريق، وكأن الطريق ملك للي خلفه، ويعطل السيارات الواقفة خلفه، وعندما يأتي الشرطي ليغرمه مخالفة، "يعمي قلبنا سباب وشتائم في الشرطة والي عملو الشرطة وهات يا سب ولعن، يا عم ليش، فيرد عليك بكل وقاحة، ما كنا واقفين في الشوارع وبنصف السيارات وين ما بدنا بدهم يعلمونا النظام، مع انه أمام عيني قد خالف النظام لكنه ببساطة لا يريد الاعتراف بالخطأ، وعلى العموم أنا حدثت نفسي شامتة " أدفع غرائم أحس لك ما دام جلدة راسك خميلة".   


وقد انتشرت في بعض الحارات قبل عدة سنوات قصة البلطجة والعربدة، يعني أنا وحدة من الناس، كنت بمشي في الحارة جنب الحيطة وبقول يالله السترة، ومن يعترض قد يراهن على خسارة حياته، تهديداً وضرباً، ولا ينفع مع أولئك لغة الحوار والتي قد استخدمناها جميعاً كسكان في هذه الحارة، بدأ بالدكتور علي الذي بدأ حديثه بقوله ، "يور تشلدرن از اوفر اوفر"، فرفعت في وجهه سكاكين الناس" الأوفر"، وسحب الدكتور ثوبه في سنانه وشرد، وحتى عم محمد البقال، رص أمامهم رصة طويلة من الأحاديث النبوية التي تناول حق الجار للجار، وحتى أبيات الشعر التي نصها الأستاذ مفيد، أستاذ اللغة العربية، ولكن لا حياة لمن تنادي،" السكاكين اشتغلت برضو".   ولكنها كانت ليلة لا ضوء فيها تلك التي دخلت فيها الشرطة إلى وكر تلك العائلة، التي اشتهرت بتجارة المخدرات، وسحبت الطالح والصالح إلى مخفر الشرطة، وفردت أمام أعينهم قائمة من الشكاوي التي تبدأ بجرعات المخدرات، وتنتهي بسرقة بسكليت الولد محمود ابن أبو محمود، ومروراً بربطة الخبز التي وضعتها بجانبي وأنا أقف أمام بيتي أثناء بحثي في حقيبتي عن المفتاح، وعندما وجدته كانت ربطة الخبز في بطون أبناء تلك العائلة المتجولين في الشوارع زي النمل، ولكن الشرطة أتت مشكورة لتنقذنا، وبعد التحقيق والتأديب الشفوي، بدأ التأديب العملي، والذي يحتوي وجبة دسمة من الضرب، عادوا إلى بيوتهم ومنذ ذلك الوقت يسيرون بجانب الحيط ويقولون يالله الستيرة، يا سلام والله سلم أيد الضرب. ما في ناس بتفهمش غير بالسك، هيك برمجة ربانية.  بس بالله عليك مش نظرية السك بتنفع برضو..  

وهناك أيضا حالة عمور الأمور، وهو ابن الجيران" الدنجوان" الذي حرمنا جميعاً من فتح نوافذنا، لأنه يتسمر طول الليل والنهار يسبسب في شعره، ويغني لعبد الحليم ويغمز تلك ويتحدث عن تلك، ويفتري أسوأ الافتراءات على بنات الخلق، وعندما يذهب أحدهم ليشكو لأباه ما رأى، يتنفتر أبو الدنجوان، ويدعي أن ابنه زينة شباب الحارة، وزينة العقال في الحارة، وبأنه جامعي، ومثقف، ومرضي، ويصلي الصلاة بصلاتها ويحلف ويبصم أبو عمرو ...الخ، حتى جاء ذلك اليوم الموعود الذي صور فيه الدنجوان من موبايل البنت المفعوصة ميمي التي تدرس في السنة النهائية الإعدادية، وهو يغازل ويعاكس وينظر بالمنظار على شبابيك ونوافذ الفتيات في الحارة، وما هي إلا ساعات وكان الأخ عمرو و أبو عمرو" الي مش راضي يصدق بلاوي ابنه" وهم يمسحون بلاط المخفر ويلعقون أقدام الشرطي حتى يعفو عنهم، وبعد عدة أيام يشاهد عمرو وأبو عمرو في حدث جلل، وهم في الصف الأول من صلاة الجماعة في المسجد، بعد أن شمع أبو عمرو نافذة أبنه عمرو بالشمع الأحمر، خوفاً من علقة ساخنة أخرى، يكون هو ضحيتها.   

أنا بصراحة بدأت أصدق نظرية" ناس ما بتيجي إلا بالسك، هل تصدقها أنت أيضاً

الأحد، 19 يونيو 2011

المرأة ليست وسيلة للبيع ...

 رشا فرحات

 اذكر حينما كنت في العاشرة من  العمر، كانت ترسم على وجهي علامات من  الاستحياء، إذا مرت مصادفة عبر شاشة التلفاز صورة أو لقطة لامرأة عارية، أو  راقصة، فأتململ في مكاني خجلاً خاصة إذا كانت هذه المشاهدة بحضور أبي، وهذه  اللقطات لم تكن تظهر عبر الشاشة في ذلك الوقت إلا فيما ندر، أو من خلال أفلام سينمائية تعرض عبر جهاز فيديو، ولكنها أصبحت تعرض اليوم عبر الفضائيات في كل وقت وفي أي ساعة، وهذه هي الكارثة الكبرى التي باتت تهدد ثقافتنا إذا ما قمنا بإجراء مفارقة بسيطة بين ذلك الإعلام البسيط واستخداماته للمرأة وتجسديه لدورها فسنجد اختلافا واضحا.  ولكن لنتحدث هنا عن إعلام اليوم.

لقد دخل الإعلام حياتنا حتى النخاع إلى درجة صاغ فيها معتقداتنا وعاداتنا وأخلاقنا وأعاد بلورتها من جديد إلى درجة كبيرة، حتى أصبح سلاحاً يهدد مبادئنا وعقائدنا ومعتقداتنا.  وقد أصبحت وسائل الإعلام الحديثة على قدر كبير من الهبوط والانحطاط في تلك المواد والأفلام العربية ذات القصص الهابطة والصور المهينة لواقع المرأة، والمخزية لعاداتنا وتقاليدنا العربية، وذلك حينما استخدمت المرأة أخيراً كوسيلة مهمة للترويج للبضاعة والتسويق، وهذا ما فعلته ونهجته وسائل الإعلام من خلال الإعلان والسينما والدراما العربية.

فإذا تحدثنا عن الإعلان نفاجأ وبدون مبرر بأن المرأة قد أصبحت  ضرورة لنجاح أي إعلان، ففضلا عن وسائل التجميل والكريمات والذهب والمجوهرات التي تجد مبرراً لاستخدامها للمرأة في الترويج والتسويق لمنتجاتها، من جهة أخرى تجد المرأة أيضاً في إعلانات السجائر والسيارات وحتى شفرات الحلاقة الرجالية، لماذا؟؟ لا ادري، فما دخل المرأة حتى توضع صورتها وهي "تتمختر" في مثل هذه الإعلانات الموجهة للرجل أصلاً، أفلا  يجوز أن يشتري الرجل شفرة الحلاقة إلا إذا كانت مقدمة على يد امرأة طويلة جميلة بيضاء تلبس لباسا نصف عاري؟!!!

ناهيك إذا تحدثنا عن السينما أو الدراما، وأنا اخص السينما والدراما العربية هنا، وتلك الأدوار التي تأتي فيها المرأة مكملة للصورة لا أساسا فيها، حتى أصبح من غير اللائق أن يظهر فيلم عربي، دون أن يعرض إلى جانب البطل" الرجل بالطبع" دوراً لامرأة تشاركه في البطولة، وهي تابع له، حتى أن بعض الفنانات المصريات تكلمن بكل صراحة من خلال بعض الحوارات معهن انه لم يعد يوجد في السينما العربية ما يسمى بطلة الشباك، وأضحت البطولة مقتصرة على الممثلين الرجال فقط، مع أن السينما تتقدم، على كافة الأصعدة والمجالات، لكن واقع المرأة سينمائياً ودرامياً في تأخر ملحوظ.

وذلك في نظري لعدة أسباب على رأسها أن هذه السينما باتت تظهر المرأة فقط كعامل من عوامل الترويج للفيلم أو الدراما، وثانيها نمو هذه الأفكار بيد فنانات عربيات يفتقدن الثقافة الكافية، والأسباب والدوافع التي تدفع المخرجين" واغلبهم من الرجال" لاستخدامهن في هذه الصورة المخجلة، واذكر على ذلك بعض الأمثلة مثل فيلم " حريم كريم" مثلا والذي أظهر المرأة في أبشع صورها: الغبية، التابعة، الملاحقة للرجل، سارقة الأزواج، من خلال تجسيد ذلك في أربع شخصيات من النساء اشتركن في البطولة إلى جانب البطل الرئيسي" الذكر".

 والسبب الثالث والمؤسف هو وجود جمهور عربي غير واعي يقبل على تلك الأفلام إقبالاً غريباً مجسداً صورة التدني في أذواق الجماهير التي يبدو أنها بدأت تتعود هذا النوع من الأفلام المبتذلة لواقع المرأة العربية، دون أن يكون لديها ذلك الوعي الكامل بتأثير هذا النوع الخطير من الأفلام على أطفالنا وعلى أجيالنا القادمة، وبناء خلفية ثقافية متأخرة ومخجلة، إذا ما اعتبرنا السينما والتلفزيون عامل من عوامل ازدهار الثقافة في أي المجتمع.

فلم نطلب نحن النساء أن تعرض أجساد نسائنا العربيات "بالمايوهات " لترقص وتتلوى خلف مطرب عربي فاشل يسعى إلى ترويج أغانيه، أو في مشهد لفيلم هابط لا تكتمل نجاحاته إلا إذا ظهرت صورة المرأة عارية ، ولم نطلب أن ترسم شفاه بناتنا حول أكواب " الكوكا كولا" في مثل للترويج للإعلانات، التي تدفع في سبيلها مئات الملاين من الدولارات، وتصرف عليها الأموال العربية الهائلة .

كان من الأولى أن ينظر الإعلام العربي إلى عقول أولئك النساء وأقلام أولئك النساء والى ثقافة وأفكار أولئك النساء والى ذلك الفن الراقي الذي لم يجد له مكاناً في سوق يروج السينما والدراما كما يروج لأي سلعة رخيصة، كان من الأفضل أن تجسد السينما والدراما العربية قصص النساء المغيبات على نجاحات عظيمة فاقت مئات الرجال، كان الأجدر بهذا الإعلام أن ينظر إلى أحلام أولئك النساء، اللواتي عانين وما زلن، من سيطرة الرجل وسيطرة المجتمع الذي فرض عليهن قيودا في التعليم والعلم وحاصرهن من كل الجهات، وها هو اليوم يفرض عليهن سياجا ثقافيا من نوع أخر ليخلع عنهن ثوب الحياء باسم الحرية، وذلك بهدف إلصاق صورة التفاهة والسطحية على المرأة، وإظهار مفاتنها كوسيلة وحيدة للنجاح والوصول، وهذه الصورة ستبقى غالبة في ظل مجتمعات تفتقد قوانين عادلة في معاملة المرأة، وفي ظل وجود يد ذكورية تغذي هذه الصورة وتعمل على استمرا ريتها.

لعل هذه الصورة التي شوهت واقع المرأة العربية تستدعي وقفة جادة من أولئك المثقفين القائمين على وسائل الإعلام الكبرى وبالمشاركة جنب إلى جنب مع جميع الأطر والمؤسسات النسوية المعنية بتغير واقع المرأة وصورتها المشوهة إعلامياً، وذلك من خلال تقديم دعم كامل وقوي وشن حملات قوية تقدم من خلالها المرأة بصورتها المشرفة التي تستحقها، من أجل خلق أجيال جديدة واعية تعطي للمرأة ما تستحق، لأنها تستحق كثيرا.

الثلاثاء، 10 مايو 2011

أنا وداليا..والسيد الرئيس


رشا فرحات

كثيرا ما تدور بيني وبين ابنتي داليا حوارات كثيرة متعددة تنتهي بجملة " حلي عني" أو ربما" قومي نامي"  حينما تزداد وتيرة أسئلة داليا وتضعني بين شباك قاتلة فلا أجد لها رداً، وعلى فكرة، أسئلة الأطفال دائما جريئة في الصميم، تضعنا على مفترق طرق من البلاهة بيننا وبين أنفسنا فنتذكر أننا بتنا غرباء عن الواقع، وأحيانا تكون مؤلمة خصوصاً حينما تشاركني داليا في مشاهدة تقرير إخباري مؤلم أو متابعة قراءة احد الأخبار أو القصص الإنسانية، عبر الانترنت .. فتنهال علي الأسئلة والمداخلات البريئة، واليكم بعضاً من الأخبار التي شاركتني داليا متابعتها ثم حاصرتني بأسئلتها الطفولية الجريئة، المحرجة جداااااااااً

الخبر الأول:
 توفيت الطفلة عبير ابنة الأسير يوسف سكافي،  دون أن تتمكن من تحقيق أمنيتها المتمثلة باحتضان والدها وتقبيل يديه، كبقية أطفال العالم دون حرمان من حق الطفولة بالحياة في كنف الوالدين.
وكانت الطفلة عبير (11 عاما) دخلت في غيبوبة، منذ أيام، إثر مرض أصابها جراء الصدمة العصبية والخوف والقلق الذي انتابها في ظل غياب والدها، الذي يقبع في سجن النقب الصحراوي ويقضي حكماً بالسجن المؤبد أربع مرات، أمضى منه ثمانية أعوام.
التعقيبات:
-        داليا: هي يا ماما عبير من وقتيش ما شافت أبوها؟
-        أنا: هي يا ماما شافت أبوها مرة وحدة بس كان من وراء زجاج عازل عشان هيك كانت بتتمنى تحضه
-        داليا: طيب وليش صار فيها هيك؟
-        أنا: عشان يا ماما انحرمت من شوفة أبوها فصار معها صدمة عصبية
-        داليا:ليش هو ممنوع يحضن الأسير أولاده؟
-        أنا:آه.. لأن الاحتلال الإسرائيلي عامل زجاج عازل بين السجين وعائلته ممنوع يمسكوا ايدو وممنوع يحضنوه
-        داليا: هو الرئيس بيعرف بهدا الكلام؟
-        أنا : أكيد بيعرف يا ماما
-        داليا: وليش ساكت يا ماما؟
-        أنا ...نظرة بلاهة، صرخة " حلي عني يا داليا"

الخبر الثاني:
يتسبب الحصار الظالم المفروض على مدن وقرى ومخيمات قطاع غزة بمعاناة كافة شرائح المواطنين وعلى كافة الأصعدة والقطاعات .
 القطاع الصحي كان أكثر الميادين تعرضاً للضرر حيث تسبب الحصار الخانق بنقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية الأمر الذي تسبب في استشهاد حوالي 30 مريضاً، أغلبهم من الأطفال،  بسبب عدم وجود الأدوية والعلاج اللازم داخل القطاع وبسبب منعهم من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني من السفر للعلاج بالخارج .

التعقيبات:
-        داليا: هما يا ماما المرضى إلي في مستشفى الشفا، ناقصهم دوا؟
-        أنا: آه يا ماما
-        داليا: يا حرام يا ماما ، طيب ليش يا ماما ما نروح نشتري دوا ونعطيهم اياه؟
-        أنا: الدوا مقطوع يا ماما بسبب الحصار، يعني كمان من الصيدليات ما بنقدر نشتريه
-        داليا: ليش هما مسكرين الباب إلي بيدخل منه الدوا؟
-        أنا: لا يا ماما الاحتلال الإسرائيلي مانع دخول الدوا على قطاع غزة، وعشان هيك بيموتوا الأطفال من نقص الدوا
-        داليا بخوف: يعني يا ماما لو مرضت، أو يوسف مرض، أو أنت أو بابا مرضتوا ما بنلاقي دوا؟
-        أنا: إن شالله ما حدا فينا بيمرض وبيحتاج لأي دوا
-        داليا: يعني هو الواحد بيموت يا ماما إذا مرض وما شرب الدوا؟
-    أنا: مش في كل الأحوال يا ماما، إذا كان المرض خطير ومحتاج الدوا كتير، وإذا كان المريض تعبان، كبير في السن كتير، أو صغير كتير ما بيتحمل المرض، بس إن شالله ما بنمرض وما نحتاج لدوا، ما تخافي
-        داليا بفزع: يعني ياسمين عشانها صغيرة إذا مرضت بتموت؟
-        أنا: لا يا ماما إن شالله ما بصير في حدا فينا أي مرض ولا حدا بيموت
-        داليا: الرئيس بيعرف يا ماما أنو ما في دوا في مستشفى الشفا، أكيد لا؟
-        أنا: آه يا ماما ما بيعرف أكيد، لو بيعرف كان عمل أشي
-        داليا: طيب يا ماما خلينا نروح نحكي معه تليفون ونقله
-        أنا: داليااااااااااااا، حلي عني، بكفي حكي


الخبر الثالث:
في عام ألفين وثمانية قامت سلطات الاحتلال بتدمير الطرق المؤدية لبيت الحاج صبري غريب الذي يسكن في قرية بيت إجزا القريبة من القدس لإقامة جدار الفصل العنصري . فمنزل الحاج يقع في قلب مستوطنة " عفن هداشا " .  قام المحتلون بعزل منزله بأسلاك شائكة يصل ارتفاعها إلى ستة أمتار. ووضعوا بوابة الكترونية على المدخل المؤدي لمنزله .  عرض المحتلون على الحاج غريب مليوني دولار كي يترك منزله، ولكنه لن يترك منزله حتى لو دفعوا له كل أموال العالم .   "منقول من مدونة" قِطعُ حَلوَى ونُثارُ غيْمٍ"

التعقيبات:
-        داليا: هو يا ماما الحاج أبو سمير كيف بيدخل على بيته؟
-        أنا : في بوابة يا ماما، عاملينها قوات الاحتلال عشان يدخل منها أبو سمير.
-        داليا: طيب البوابة هادي عليها حارس؟
-        أنا: طبعا يا ماما
-        داليا: ولما يجو ضيوف يزوروا أبو سمير، بيسمحولهم يدخلو؟
-        أنا: بيخبر أبو سمير حارس البوابة وبيدفعلو 60 شيكل عشان يفتح البوابة للضيوف بعد ما يفتشوهم
-        داليا: ستين شيكل، طيب إذا بدو يروح أبو سمير يشتري ساندويش فلافل، أو شيبس، أو شوكلاته، كمان بدفع ستين شيكل؟
-        أنا: آه بيدفع
-        داليا باستغراب: كل مرة بدو يطلع راح يدفع ستين شيكل؟
-        أنا: آه راح يدفع
-        داليا: طيب شو هالعيشة، ما يبيع البيت أحسن ما دام أعطوه مليونين
-        أنا: لا يا داليا، لازم الواحد ما يبيع بيته لليهود
-        داليا بمكر: يعني أنت لو مكانه يا ماما ما بتبيعي البيت؟
-        أنا: لا طبعا يا ماما ما ببيع
-        داليا: طيب راح يخلصو مصارينا واحنا ندفع لحارس البوابة كل ما بدنا نطلع مشوار
-        أنا: مش مهم، المهم ما نبيع أرضنا
-        داليا: يا حرام قصة الحاج أبو سمير بتحزن يا ماما
-        آه والله
-        طيب يا ماما الرئيس أكيد ما بيعرف؟
-        أكيد
-    طيب هالمرة قومي نكلمو لازم يعرف، ويعطي أبو سمير فلوس يدفع للحارس، أو يمكن يروح يحارب ويكسر كل المستوطنات إلي جبن بيت أبو سمير، صح ؟!!
-        داليااااااااااا، قووووومي نااااااااااامي

الخبر الرابع:
هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي 14 منزلاً في بيت حانون ومدينة الخليل في الوقت الذي شنت حملة اعتقالات واسعة في نابلس التي اجتاحت بعض قراها فجر الاثنين.
وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" أن قوات الاحتلال الإسرائيلية، جرفت ظهر يوم الاثنين 12منزلاً في منطقة عزبة بيت حانون شمال قطاع غزة.   وأفادت مديرية الأمن العام في محافظات غزة، أن جرافات عسكرية إسرائيلية مدعومة بعدد من الدبابات والآليات العسكرية، قامت بتجريف 12منزلأ في منطقة عزبة بيت حانون، وألحقت عملية التجريف دماراً هائلاً في ممتلكات المواطنين.

التعقيبات:
-        داليا: ماما يعني شو تجريف؟
-        أنا: يعني الدبابات الإسرائيلية بتدخل كل البيوت إلي بنيت بدون ترخيص وتبدأ بهدمها
-        داليا: هي إسرائيل لما دخلت أخدت قرية سيد سيدو، أخدت منا ترخيص؟
-        أنا: وبعدين مع أسئلتك يا داليا، طبعا لا، هي احتلت ما دخلت بترخيص
-        داليا: طيب ليش إحنا ما بنحاربها؟ عشان نرجع قرية سيدو؟
-        أنا: لأنو إحنا وقعنا معهم اتفاقية سلام: اسمها، أوسلو، وعشان هيك لازم نحترم اتفاقية السلام
-        داليا: طيب هو إحنا وقعنا في الاتفاقية على انو نسكت لما تتجرف أراضينا؟
-        أكيد لا، بس هي إسرائيل عاد إلي ما بتحترم الاتفاق الموقع، وبصراحة، أنا ما بعرف على ايش وقعوا بالضبط يوم اتفاقية أوسلو
-        ومن وقتيش الاتفاقية هادي" أوسلو"؟
-        أنا: يعني صارلها سبعتاشر سنة
-        داليا: والرئيس معقول يكون شايف الأرض التي تجرفت، طب إذا شايف ليش ساكت؟
-        أنا: داليا، الرئيس شايف وعارف كل أشي وساكت لأنو في اتفاقية سلام لازم يحترمها ما بيقدر يخترق الاتفاقية
-        يعني شو يخترق؟
-        يعني يعمل أشي ينهي الاتفاقية غير الأشياء الموقعة، هادي اتفاقية سلام ولازم يحترمها، وقع لازم يحترم التوقيع.
-    داليا: سلام سلام، والرئيس شايف، والدوا مش داخل، والمرضى بموتو، وعبير ماتت، وأبوها محبوس، وما بقدر يحضنها، والحاج أبو سمير ما بيقدر يطلع من بيته، والدبابات بتهدم بالبيوت، والرئيس عارف وشايف وبيحترم السلام، يا سلام سلم يا ماما .
                                    ...
والي بيعرف داليا عن جد، وبصدق أيضاً، سيعلم أنها فعلاً من أصحاب نظرية" يا سلام سلم ...



السبت، 7 مايو 2011

دروس في العنصرية ...




رشا فرحات

عندي عقدة متمركزة في قرارة إحساسي العميق، وكينونة نفسي المليئة بالعقد،" وكل عقدة معقودة على بعضها مرتين"، بسبب ذكرياتي الفاخرة مع أساتذتي في المدرسة، فقد كنت في الصف الرابع عندما دخلت مدرسة العلوم في أول حصة لها، وللحق أنا لم أتعلم في غزة، ولكني تعلمت في بلد عربي شقيق، "وحط تحت شقيق مائة خط، واضحك لما تفطس، حاكم ما ضلش شقيق فهالدنيا"

المهم... نظرت المعلمة نظرة سريعة وتوقف نظرها في وجهي البريء،" برضو ما فيش مانع نحط تحت بريء كم خط"، ثم كشرت عن أنيابها، وأتذكر أنها كانت ترتدي فستانا ازرق، تماماً كسجانات المعتقل، وهو زي موحد للمعلمات في تلك البلد العربية الشقيقة،" ما تنساش الخطوط"، وحدقت وبانت أنيابها، وشعرها نكش على أخره" وسألتني: من وين أنتي؟؟ فأجبتها ببراءة، أنا من فلسطين، فاشتعلت النار فجأة بالصف، وظهرت تعاليم العنصرية العربية الشقيقة، وتحولت أنا إلى "فشة خلق" للمعلمة العنصرية، وكلما ضجرت أو سمعت صوتاً من أحد التلميذات، أوقفتني بجانب السبورة "وعشر مساطر" في كل يد حتى أعود محمرة الكفوف إلى البيت"، وفهم زملائي في الصف اللعبة، وأصبحوا يلصقون بي كل بلاويهم"، حتى أصبحت" ......" لتلك المعلمة.

لم أعرض قصتي تلك، حتى أعطي درساً في العنصرية، لكن لأتأمل معكم في كمية عدد الأولاد الذين خرجوا من تحت يد تلك المعلمة متشبعين بكم من العنصرية والتخلف، وأنا الفلسطينية الوحيدة في الصف، فلسطينية يعني رمز النضال والكفاح، وال.....الحمد لله أننا كنا في ذلك الوقت أعلى رموز النضال والكفاح، "ومكانش في قناة الجزيرة عشان تنشر بلاوينا للعالم"

بالعودة إلى موضوع معلمتي، تلك العنصرية للأسف وان كانت تختلف يتعرض لها أبنائي اليوم، هنا في الوطن، وان كانت أقل حدة ودون قصد، ففي صفوفنا كم هائل من المعلمات اللواتي يحتجن بشكل عاجل وفوري إلى إعادة صقل وتربية أخلاقية لتخريج جيل سوي، ولا أقول خالي من العقد، "لأنهم حيتعقدوا حيتعقدوا"، إذا مش من مدرس الابتدائي يبقى مدرس الإعدادي، وإذا مش مدرس الإعدادي يبقى الثانوي، وإذا مش الثانوي يبقى في الجامعة..

ولكن تأكيداً على قضية العنصرية وفي حديثي مع إحدى المعلمات في إحدى المدارس حينما سألتها:
- هل هناك فرق بين ابن فلان وابن علان في تعاملكم مع الطلاب
- المعلمة: بالتأكيد، ابن الدكتور أو المهندس، أو المتعلم بصفة عامة، يجب أن يكون متعلماً مثله، ونحن نحاول استقطاب هؤلاء الطلاب والاهتمام بهم أكثر من غيرهم.
- أنا : يا سلام، يعني لو كان الولد ابن حدا من العمال، أو غير المتعلمين، ما فيش اهتمام فيه
- لا في اهتمام بس هادا من الطبيعي انو ما يكون شاطر في المدرسة، بالإضافة إلى أن المديرة في أغلب الأحيان تهتم بأبناء المفتشين، والموظفين في التربية والتعليم، لأنها تخشى أبائهم، ونحن نعمل على زيادة درجاتهم، أو تصحيح أخطائهم في الامتحانات لكي يحتفظوا بمستوياتهم العالية في الدراسة.

يا حلاوة يا ولآد، هادا إلي ماكانش على البال ولا الخاطر، لكن الحق يقع على الست الناظرة و المعلمات فعلاً،  فلماذا لم يشعرونا من البداية بحكاية العنصرية الوسائطية، "حطلك خط"  قد انتشرت أيضاً في السلك الدبلوماسي، أقصد التعليمي، كنا أخدنا كم كيلو جبنة على كم رغيف خبز، وأخذنا حبايبنا وقرايبنا من الموظفين في التربية والتعليم، والسياسة، والصحافة، والمصورين وذهبنا في جولة في مدارس الأولاد، يعني مجرد  "قرصة ودن" للمديرة والمعلمات لكي يعرفوا أننا ببساطة" ناس واااااصلة"

وأنا صدقا لا أبالغ إذا تحدثت عن العنصرية فإليك أخي القارئ، وأنا اعلم تماماً كم أثقلت عليك في حديثي الذي يعتبره الكثيرون منكم مجرد برم فارغ، ولكن عن تجربة وبعد تدقيق وتمحيص، ووفقا لدراسة إستراتيجية، ولف ودوران في الحالات والفضائح التي تعبق مجتمعنا الفلسطيني...

بداية " أكيد في منكو قال، هو انت لسة ما بدتيش" صبرك بالله، الجاي راح يعجبك" .  فلنتحدث عن الطالب الأول في الصف، فهذا الطالب يجب أن يكون مبدعاً في كل شيء، يجب أن يشارك في الإذاعة، هو من يقدم الحفلات، وهو من يجلس في أول صف، وهو من يشارك في نشاطات الرسم ويعطى أعلى الدرجات، بصرف النظر إذا كان رساماً أو لا ، والطلاب الآخرين، ينحرقوا، بصرف النظر إذا كانت لديهم مواهب أم لا، يعني هو الطالب الأول، ولذلك تجد الطالب الأول محط أنظار كل الأولاد، وحسدهم وغيرتهم، لأنه متميز، ولأن المدرسة أعطته دفعة للتميز متجاهلة تميز الآخرين من الطلبة، لذلك يخرج أبنائنا جميعهم معقدين من الطالب الأول ومن المدرسة أساساً.

ويبقى الأطفال الآخرين فارغي أفواههم كالبلهاء، يتقربون جميعهم إلى الطالب الأول، لعل بركاته تنتقل إلى عقولهم، وتتعقد الصورة أكثر إذا جاء ولدك مكفهر الوجه متضايق لأن الأستاذ مصر على إجابة الطالب الأول على الرغم من أنها خاطئة " يعني على الغميض"، " ما هو واثق من الطالب الأول ثقة عمياء" ويرفض الاستماع إلى إجابة ابني الصحيحة لأنه ببساطة" مش الأول" والطالب " الأول لا يخطئ،" من وجهة نظر الأستاذ"  فهو ابن فلان ... وحاصل على 99.9 %، بجدااارة.

كما أن  الأستاذ، يشارك الطالب الأول، ويستشير الطالب الأول، وليش ما تتعلموا يا بهايم من الطالب الأول، وكل الأمور ماشية على مزاج الطالب الأول، وإذا اقترف الطالب الأول خطيئة من أي نوع فإنه ببساطة يقول " ما عملتش" فيعلو صوت الحق " إلي هو صوت الطالب الأول" وتعلوا معه أصوات العنصرية والكراهية التي تنخر في رؤوس أطفال الصف ... وتعلو العقد وتسمو أكثر وأكثر.

وبالتعقيب أيضا في موضوع العنصرية " معلش تحملوني، أنا عارفة انو القراية صعبة اليومين هدول"  ولكنها  قصة حدثني بها زوجي الذي يعمل في مشروع يعني بترميم المدارس في قطاع غزة، حينما دخل إلى إحدى المدارس فوجد أربعة شحوطة، عفواً.. أقصد أربعة معلمين، قد هجموا مثل ذئاب الجبل على أحد الطلاب فأوسعوه ضرباً دون رحمة ، وزوجي يحاول التدخل والحديث فلا يسمعه أي من المعلمين لشدة اندماجهم في الضرب وكأنهم يثأرون لعقدهم " القديمة" التي هي ذات العقدة، وعندما سأل زوجي لاحقاً عن سبب ضرب الطالب فأجابه أحد الأساتذة باستهتار: سيبك منه، واتضح  بأنه يتيم ولا يسأل عنه أحد ولا يتفقده أي من عائلته ولا يسألون عنه، " يعني صارت القصة هيك، هو لو ابن عيلة واصلة، كان ما استرجا حدا من الأساتذة الأشاوس يضربه كف" " يا عني على الحركة لتعليمية الماشية في البلد " عنصرية يا عم.

وفي التعقيب " برضو حط خط" على موضوع العنصرية فإن السيدة الفاضلة التي تملك ألاف الدولارات في البنك، والتي قد أهدت إلى المدرسة في عيد الفلاح ألف شتلة، وفي عيد الأم ألف زهرة، وفي احتفال رأس السنة خمسمائة علبة بسكويت، وفي عيد الاستقلال فرقة موسيقية لتهتف في احتفال المدرسة " بحبك يا فلسطين، من قلبي الحزين"  فقد حصل ابنها على المركز الأول في جميع المواد، بالإضافة إلى المركز الأول في الإبداع الأدبي، بالإضافة إلى المركز الأول في مسابقة الفنون الجميلة، بالإضافة إلى المركز الأول في دروس العزف الموسيقي، بالإضافة إلى المركز الأول، في القراءة والخطابة والتقديم البرامجي في الإذاعة المدرسية، يعني صار بدي الحق اخذلي صورة مع التلميذ النابغة صاحب المركز الأول.

هذا بالإضافة إلى قصة ذلك الأستاذ الذي طرد الطالب من الصف لأنه...
ولا بلاش اليوم صار في مصالحة، وإحنا بدنا نهدي النفوس مش أكثر...خليها سالكة إحنا ما صدقنا.

الخميس، 21 أبريل 2011

التسامح..تربية وثقافة مجتمع



رشا فرحات

قررت بدون تردد محدثة نفسي" عن ثقافة التسامح يجب أن أكتب شيئاً، وذلك للكثير من الأسباب، أولها، انتم تعرفونه...وثانيها في الواقع أيضاً تعرفونه، وثالثها لأنكم بالطبع تعرفونه ...وهو أنه...يتسبب بـ...ما هو...قصدي... من باب...أقصد لأن الظروف....يمكن لأن ...أو لأن...أو لأن ........وفي النهاية أنتم تعرفون....

من أجل كل الأسباب السابقة الذكر يجب أن أكتب عن ثقافة التسامح ..
وليس شيئاً عادياً ما يجب أن نكتب، شيئاً دسماً، شيئاً مفتول العضلات، شيئاً يقرب الصورة البعيدة، شيئاً لابد أن يكون أكثر إقناعا أو لربما كان بالفعل مقنعاً، شيئاً.... " خلص فلندخل في الموضوع بدون فلسفات زيادة "  

هذا ما حدثت نفسي به قبل أن أتوجه ذاهبة لحضور احتفال يقيمه أحد مراكز الطفولة في مدينة غزة بمناسبة يوم الطفولة.  دخلت إلى المركز بصحبة صغيرتي ياسمين، الوديعة، الرقيقة، الهادئة " تشبهني تماماً في كل الصفاااااات". المهم .. جلسنا على سجادة مخصصة للأطفال في منتصف القاعة الرئيسية للمركز، وقد نشرت فوقها العاب مختلفة للأطفال دون سن الأربع سنوات، وفرحت كثيراً لهذه الجلسة الطفولية، وأمسكت يدا ياسمين الصغيرتين، وأجلستها بجانب الأطفال، ولكني لاحظت خوفها وخجلها وانطواءها فطلبت من أحدهم أن يأتي ليلعب معها، وقد كان سنه مقارباً لسنها تقريباً ولكنه يتميز عنها بمميزات من نوع مغاير، فهو مفتول العضلات، جاحظ العينين، يبدو وكأنه مقبل على عملية قتل، غالباً  بعد خروجه من المركز وأثناء عودته إلى بيته، وأمه تجلس في الكرسي المقابل ترفع أحد حاجبيها متربصة بحرص بالغ، وكأنها تنتظر فريسة لتنقض عليها، أو نكشة من أي نوع لتبدأ بممارسة هوايتها بالشجار التي تعتز بها على ما يبدوا" هذا حسب ملاحظاتي التي غالبا ما تكون دقيييييييييييقة"

المهم.. جلس الطفل المعجزة، الذي دعوته للجلوس مع ابنتي، كنوع من أنواع التعارف " فلسفة زيادة"  وما أن جلس جلسته حتى سحب صندوق الألعاب من أمام ياسمين، وجمعها ووضعها في حضنه الدافئ تاركاً ابنتي تنظر إليه وعلامات الألم مرسومة على وجهها، وإذا تجرأت ومدت يدها،  صرخ في وجهها مشيرا إلى اللعبة" هادي إلي، بدي العب فيها" وإذا نقلت يدها إلى لعبة أخرى، سحبها بقوة مكشراً مردداً " هادي إلي، بدي العب فيها"
وهكذا حتى عادت ياسمين مستسلمة تنظر الي، خائفة لا تجرؤ على مد يدها لأي لعبة من الألعاب التي في الصندوق، وأنا لا أدري ماذا افعل، وكلي ندم لدعوتي الغبية التي دعوته إليها من البداية.

 المهم ..حاولت التدخل في محاولة لخلق جو من المصالحة، وزرع نوع أخر من الألفة، وتفجير نوع ثالث من المحبة ، بينه وبين ابنتي، فقلت له ظناً مني أنني أتحدث إلى طفل بريء المفترض أنه يتسم بعلامات الوداعة والمسامحة والحب.. كعادة الأطفال:
- "حبيبي خليها تلعب معك"
صرخ الطفل: "لااااااااااا، يا.......... "
وقبل أن أفتح فمي لأعبر عن استغرابي، كانت أمه تصرخ من بعيد صرخات الظالم، وتنظر إلينا نظرات المفترى عليهم، وصوتها يرن رناً في القاعة المكيفة الرحبة، وكأنه صوت طرازان ينادي من أعلى الشجرة: "اسماعيييييييييييييييييل ، إلي بضربك أضربوا..."

سألت نفسي: "ضرب ، من الذي فكر في الضرب؟!!"  لكن والله ملاحظة مهمة، جديرة بالنظر، يعني طلعت من أصحاب نظرية  "إلي بضربك اضربوا"، وأنا منذ أن عرفت أنواع المخاصمة والشجار وأنا ألقن أبنائي كل صباح نصوصاً في ثقافة المسامحة حتى أصبحوا للأسف "ممسحة الحارة، والمدرسة، والعائلة، وكل من هب ودب" وأنا والله أهنيء أم إسماعيل على تربيتها العريقة لأبنها الذي لا يسمح لابنتي باللعب معه.

 " طبعاً هذا ما حدثت به نفسي فقط، وأنا مسترجية أحكي ، مانتو ما شفتوش أم إسماعيل"

والتفت إلى الطفل هامسة بحذر" مش خوف يعني، مجرد حذر":
- "طبعا ما هما قالوا يا فرعون مين إلي فرعنك، والله ما حدا فرعنك أنت وأمك غير أمثالي من إلي عاملين فيها بفهموا، نازلين هتف عن التسامح وثقافة المصالحة..والى أخره..أمك هادي كيف بدنا نقنعها بضرورة التسامح"  هذا ما تحدثت به مع مكنونات نفسيتي المحطمة المكسورة، وأنا أشعر بالذل لضعفي المفضوح أمام ابنتي الصغيرة. 

ثم تابعت " بيني وبين مكنونات نفسيتي طبعاً" إسماعيل وأمه أكيد من عيلة واصلة "


بينما سحبت يدا ياسمين وتنازلت له عن بقية الألعاب" بكل رضا والله ودون أي ضغائن" وجلست مع ابنتي نأخذ جانباً محايداً، بدون أي من الألعاب، وأنا اختلس النظر إلى إسماعيل متوجسة خيفة" حلوة متوجسة " وقد حاصرنا حصاراً اخوياً ومنعنا حتى من اللعب معه في الألعاب، كما أن أبنتي ياسمين المسالمة لم تعترض " تشبهني تماماً في كل الصفااااات"، لكنها نظرت إلى وجهي لعلي أحاول أن أساعدها، لكني خفت أنا الأخرى من إسماعيل، وأمه التي سحبت كرسيها وجلست تفترش بوابة المركز تراقبنا من بعيد  "زي حراس السيد الوزير...."
وهذا لا يعني ضعفاً مني وإنما لأني اعرف تماماً أن هناك فرق في النهاية بين الطفل إسماعيل، وبين ابنتي  ياسمين.

أنا ضربت مثالاً بسيطاً لكي أصل إلى استنتاج بسيط أيضاً، وهو ذلك الطفل الذي تعود على ثقافة " إلي بضربك اضربوا" كيف يمكننا أن نطلب منه بعد عشر سنوات أن يفهم ثقافة المسامحة، ثم الحوار، ثم المصالحة؟!   وتخيلت إسماعيل ذلك الطفل وقد كبر وأصبح شاباً، تخيلته بطلاً في مشهد أخر يصوره موقف أخر قد تعرضت له أيضاً، موقف بسيط، تملأه علامات البغضاء وقد حطم كل أمل لدي في المصالحة، مختلف لكنه مشابه من حيث المضمون.

فحينما كنت أبحث عن بعض المعلومات العامة عبر الانترنت عن أحد الوزراء في غزة، قبل أن اذهب لعمل مقابلة صحفية معه قد حددت موعدها مسبقاً، وهي عادتي في محاولة معرفة أكبر قدر من المعلومات عن الشخصية التي سأقابلها حتى أكون أكثر ثقة في طرح أسئلتي.

المهم أنني وجدت فيديو: يو تيوب" يعرض مقابلة سابقة مع الوزير، وقبل أن أبدأ بالمشاهدة وتدوين ملاحظاتي، قرأت التعليقات التي أدرجت مع الفيديو، والتي أدرجتها أنا شخصياً تحت بند" مصيبتنا مصيبة" الذي أدرج تحته كل المصايب التي أراها في حياتي، وقد كانت المصيبة هي تلك التعليقات الحربية الحزبية العنصرية المدمرة التي بدت وكأنها تخرج من أفواه بندقية، أو من طائرة اف ستة عشر، سكستين،  كونكورد" زي ما بدك"  والتي كانت كالتالي:

- الأول: الوزير هادا يا شباب بقرب للعميل، فلان ....
- الثاني: العميل فلان هادا من قرايبك يا أخو الـ............هادا وزير الـ.....وزير محترم وأشرف منك ومن كل أهلك يا ابن الـ.....
- الأول:من غير قلة أدب يا ابن الـ......... أنا بسأل سؤال بكل أدب كلمني بأدب لو سمحت، يا أخو الـ...
-الثاني: أدب، ما هو هادا انتو فالحين فيه يا فـ.... بتقرصوا وبتلبدوا، زي الحية.
- الأول: حية في عينك يا حـ... يا ابن الـ....يالي طلعتوا على أكتاف الفـ...
ثم يكمل، إحنا بدنا نلعب على بعض، ما هو وزيركو يا شاطر الي كل عيلته عملا يا..... يا ابن الـ...........
- الثاني: أنت وعيلتك وقرايبك وكل أهلك يا .....يا ابن ااـ.....يا كـ....
- ثالث يتدخل : عميل مين يا ابن الـ......، هادا العميل الي حكيت عنه بطل وأحسن من كل عيلتك انتو الي عملتوه عميل يا أولاد الـ............
- رابع من نفس عائلة الوزير يتدخل: عائلة مين الي بتحكي عنها عملا يا ابن الـ...صرمايتهم بكل أهلك يا أخو الـ...
- خامس  يحاول أن يتقمص دور" واسطة الخير" : يا جماعة وحدوا الله
- قريب الوزير يرد: أنت خليك في حالك الله يرضى عليك
- "واسطة الخير" يرد: يا خوي أنا ماليش صالح ، انتو بتتقاتلوا عشان مين، الله يجحمهم الاثنين
- "قريب الوزير": يجحمك لحالك يا ابن العملا
- "واسطة الخير" أنا ابن عملا الله يسامحك، يا كلـ...، يا ابن الكـ...
ثم ينهي " واسطة الخير حديثه" هي جزاة الي بتدخل عشان يصلح، إن شالله بتولعوا انتو الاثنين مع بعض، الله لا يردكو، يا ولاد الــ..

......
وهكذا استمرت النقاشات حامية الضرب والنقر والسباب، بين ولاد الـ....وولاد الـ.... حتى شعرت بالعار، وما زاد شعوري بالعار، هو خوفي، أجل خوفي، الذي انتقل حتى بات يغلف قلوب أطفالنا، أجيال المستقبل القادم، خوفي على قلوبهم الصغيرة المدججة بحقد دفين، يتلقوه عبر دروس يومية فرضتها عليهم الأحزاب السياسية والتربية على ثقافة الصراع والنزاع، وعدم المسامحة، منذ كانوا صغاراً يلعبون، هل يا ترى نستطيع إعادة البرمجة الداخلية لهؤلاء الأطفال بعد أن يكبروا، ويبتلعوا كل أخطاءنا التربوية السيئة، الملغمة بأنواع الصراع الحزبي المنتشر على أرض وطن كان رمزاً للمحبة والسلام في يوم من الأيام، يجب أن نعيد ترتيب هذه الأوراق التربوية، مستغلين وسائل الإعلام المحلية والفضائية، التي باتت تحتاج لإعادة صياغة وبرمجة لتصل بأبنائنا إلى ترسيخ ثقافة التسامح التي باتوا يحتاجون إليها، وأن نعاقب كل معلم، أو تربوي أو قائم على العملية التربوية إذا ما حاول زج صراعات الحقد السياسي في قلوب صغارنا، وقبل أن نهتف في الميادين العامة، مطالبين بالمصالحة الفلسطينية يجب أن نزرع في قلوبهم الصغيرة ثقافة مجتمع متحضر، ثقافة مبنية على التسامح والمغفرة،  حتى نخرج بمجتمع متصالح من الداخل أولاً قبل أن يكون متصالحاً من الخارج.