الأحد، 19 يونيو، 2011

المرأة ليست وسيلة للبيع ...

 رشا فرحات

 اذكر حينما كنت في العاشرة من  العمر، كانت ترسم على وجهي علامات من  الاستحياء، إذا مرت مصادفة عبر شاشة التلفاز صورة أو لقطة لامرأة عارية، أو  راقصة، فأتململ في مكاني خجلاً خاصة إذا كانت هذه المشاهدة بحضور أبي، وهذه  اللقطات لم تكن تظهر عبر الشاشة في ذلك الوقت إلا فيما ندر، أو من خلال أفلام سينمائية تعرض عبر جهاز فيديو، ولكنها أصبحت تعرض اليوم عبر الفضائيات في كل وقت وفي أي ساعة، وهذه هي الكارثة الكبرى التي باتت تهدد ثقافتنا إذا ما قمنا بإجراء مفارقة بسيطة بين ذلك الإعلام البسيط واستخداماته للمرأة وتجسديه لدورها فسنجد اختلافا واضحا.  ولكن لنتحدث هنا عن إعلام اليوم.

لقد دخل الإعلام حياتنا حتى النخاع إلى درجة صاغ فيها معتقداتنا وعاداتنا وأخلاقنا وأعاد بلورتها من جديد إلى درجة كبيرة، حتى أصبح سلاحاً يهدد مبادئنا وعقائدنا ومعتقداتنا.  وقد أصبحت وسائل الإعلام الحديثة على قدر كبير من الهبوط والانحطاط في تلك المواد والأفلام العربية ذات القصص الهابطة والصور المهينة لواقع المرأة، والمخزية لعاداتنا وتقاليدنا العربية، وذلك حينما استخدمت المرأة أخيراً كوسيلة مهمة للترويج للبضاعة والتسويق، وهذا ما فعلته ونهجته وسائل الإعلام من خلال الإعلان والسينما والدراما العربية.

فإذا تحدثنا عن الإعلان نفاجأ وبدون مبرر بأن المرأة قد أصبحت  ضرورة لنجاح أي إعلان، ففضلا عن وسائل التجميل والكريمات والذهب والمجوهرات التي تجد مبرراً لاستخدامها للمرأة في الترويج والتسويق لمنتجاتها، من جهة أخرى تجد المرأة أيضاً في إعلانات السجائر والسيارات وحتى شفرات الحلاقة الرجالية، لماذا؟؟ لا ادري، فما دخل المرأة حتى توضع صورتها وهي "تتمختر" في مثل هذه الإعلانات الموجهة للرجل أصلاً، أفلا  يجوز أن يشتري الرجل شفرة الحلاقة إلا إذا كانت مقدمة على يد امرأة طويلة جميلة بيضاء تلبس لباسا نصف عاري؟!!!

ناهيك إذا تحدثنا عن السينما أو الدراما، وأنا اخص السينما والدراما العربية هنا، وتلك الأدوار التي تأتي فيها المرأة مكملة للصورة لا أساسا فيها، حتى أصبح من غير اللائق أن يظهر فيلم عربي، دون أن يعرض إلى جانب البطل" الرجل بالطبع" دوراً لامرأة تشاركه في البطولة، وهي تابع له، حتى أن بعض الفنانات المصريات تكلمن بكل صراحة من خلال بعض الحوارات معهن انه لم يعد يوجد في السينما العربية ما يسمى بطلة الشباك، وأضحت البطولة مقتصرة على الممثلين الرجال فقط، مع أن السينما تتقدم، على كافة الأصعدة والمجالات، لكن واقع المرأة سينمائياً ودرامياً في تأخر ملحوظ.

وذلك في نظري لعدة أسباب على رأسها أن هذه السينما باتت تظهر المرأة فقط كعامل من عوامل الترويج للفيلم أو الدراما، وثانيها نمو هذه الأفكار بيد فنانات عربيات يفتقدن الثقافة الكافية، والأسباب والدوافع التي تدفع المخرجين" واغلبهم من الرجال" لاستخدامهن في هذه الصورة المخجلة، واذكر على ذلك بعض الأمثلة مثل فيلم " حريم كريم" مثلا والذي أظهر المرأة في أبشع صورها: الغبية، التابعة، الملاحقة للرجل، سارقة الأزواج، من خلال تجسيد ذلك في أربع شخصيات من النساء اشتركن في البطولة إلى جانب البطل الرئيسي" الذكر".

 والسبب الثالث والمؤسف هو وجود جمهور عربي غير واعي يقبل على تلك الأفلام إقبالاً غريباً مجسداً صورة التدني في أذواق الجماهير التي يبدو أنها بدأت تتعود هذا النوع من الأفلام المبتذلة لواقع المرأة العربية، دون أن يكون لديها ذلك الوعي الكامل بتأثير هذا النوع الخطير من الأفلام على أطفالنا وعلى أجيالنا القادمة، وبناء خلفية ثقافية متأخرة ومخجلة، إذا ما اعتبرنا السينما والتلفزيون عامل من عوامل ازدهار الثقافة في أي المجتمع.

فلم نطلب نحن النساء أن تعرض أجساد نسائنا العربيات "بالمايوهات " لترقص وتتلوى خلف مطرب عربي فاشل يسعى إلى ترويج أغانيه، أو في مشهد لفيلم هابط لا تكتمل نجاحاته إلا إذا ظهرت صورة المرأة عارية ، ولم نطلب أن ترسم شفاه بناتنا حول أكواب " الكوكا كولا" في مثل للترويج للإعلانات، التي تدفع في سبيلها مئات الملاين من الدولارات، وتصرف عليها الأموال العربية الهائلة .

كان من الأولى أن ينظر الإعلام العربي إلى عقول أولئك النساء وأقلام أولئك النساء والى ثقافة وأفكار أولئك النساء والى ذلك الفن الراقي الذي لم يجد له مكاناً في سوق يروج السينما والدراما كما يروج لأي سلعة رخيصة، كان من الأفضل أن تجسد السينما والدراما العربية قصص النساء المغيبات على نجاحات عظيمة فاقت مئات الرجال، كان الأجدر بهذا الإعلام أن ينظر إلى أحلام أولئك النساء، اللواتي عانين وما زلن، من سيطرة الرجل وسيطرة المجتمع الذي فرض عليهن قيودا في التعليم والعلم وحاصرهن من كل الجهات، وها هو اليوم يفرض عليهن سياجا ثقافيا من نوع أخر ليخلع عنهن ثوب الحياء باسم الحرية، وذلك بهدف إلصاق صورة التفاهة والسطحية على المرأة، وإظهار مفاتنها كوسيلة وحيدة للنجاح والوصول، وهذه الصورة ستبقى غالبة في ظل مجتمعات تفتقد قوانين عادلة في معاملة المرأة، وفي ظل وجود يد ذكورية تغذي هذه الصورة وتعمل على استمرا ريتها.

لعل هذه الصورة التي شوهت واقع المرأة العربية تستدعي وقفة جادة من أولئك المثقفين القائمين على وسائل الإعلام الكبرى وبالمشاركة جنب إلى جنب مع جميع الأطر والمؤسسات النسوية المعنية بتغير واقع المرأة وصورتها المشوهة إعلامياً، وذلك من خلال تقديم دعم كامل وقوي وشن حملات قوية تقدم من خلالها المرأة بصورتها المشرفة التي تستحقها، من أجل خلق أجيال جديدة واعية تعطي للمرأة ما تستحق، لأنها تستحق كثيرا.