الجمعة، 8 يونيو، 2012

حرب البطيخ ..يا بطيخ



كنا قد خرجنا من البيت ، باحثين عن مكان" نطير فيه زهق"  أنا والأولاد، في أمان الله، يمسك كل منا يد الآخر، عائلة واحدة، فاهمين بعض، قلوبنا على قلوب بعض، أنا ويوسف أبني، وابنتاي، داليا وياسمين الصغيرة، وقد عزمنا النية، ومتجهين إلى محل الألعاب، وزي ما قلنا قلوبنا على قلوب بعض، ماسكين يدين بعض.

وما أن وصلنا إلى ذلك الشارع، حتى سمعنا أصوات إطلاق الرصاص، وجماعات من الناس "تلتم" في موقع الخطر، كعادتنا حينما نسمع انفجاراً، أو إطلاق نار، فنحن فقط من يذهب ركضاً إلى مكان الخطر، وقد سيطر عليه الفضول أكثر من أي شيء أخر لاستطلاع الأمر، مع أن المفروض من أي إنسان طبيعي في تلك اللحظة، أن يهرب خوفاً، لكن .... ما علينا، كسرت العادة أنا وأطفالي واختبأنا خلف حائط  قريب نراقب ما يجري من بعيد، برضو فضول، مع أن العاقل في تلك اللحظة، من يأخذ أطفاله، ويستقل سيارة مسرعة، وديله في سنانه، ويهرب، لكن الفضول قتل الهرة، كما يقول المثل المشهور.

اختبأت خلف الحائط ورأسي يختلس النظر، بوجل، وإذا بجماعتين جاءوا كل من طريق وهاتك يا ضرب في بعضهم البعض، دون مراعاة لخوف المارقين، أو إصابتهم ، أو مراعاة لأي خسائر من أي نوع، ضرب ضرب، بالطناجر، بالأحذية، يا عم ايش في، سأل أحد المختبئين بجانبي، وراء الحائط، والذي يبدو أنه أحد سكان البناية المجاورة، عرفت ذلك لأن زوجته، تنادي عليه، من فوق" اطلع يا زلمة" ايش بتستنى، والزلمة المختبئ، معي رأسه والحائط، أن لا يصعد إلى فوق، حتى يعرف، ايش الدعوة، طبعاً كمثل كل أهل غزة الأشاوس، لازم يعرفوا على طول ايش الدعوة، حتى لو على قطع رقبته من غطاية طنجرة، ولا صنيه منطلقة كالرصاصة بالخطأ.

جلسنا طويلاً على هذه الحال، حتى نادى جاري المتفرج بصحبتي  على زوجه من أسفل وسألها بلهجه الغزاوية المشهور مضطرا لعدم قدره على الحصول على أي معلومة مؤكدة، حول المعارك الضارية بين الفريقين في الحارة" شو القصة يا وليه" بكسر الهاء" فصرخت به زوجه، البطيخة يا أبو فادي، البطيخة، فنفخ أبو فادي مرتاحاً وقال: البطييييييييييييييخة، فهمنا، وتطلع إلي وأنا أفتح فمي على أخره منتظرة بلهفة لمعرفة القصةً، فقال: يا عم  هدول جماعتين الهم من سنين بتقاتلوا على بطيخة لقوها في أرض قريبة هان مرمية، وجروا عليها تنين من العيلة، وهوب حطو أيدهم عليها مع بعض، وكل واحد بقول: إلي، وأضاف متأففاً" من بختنا إلي زي الكندرة " على حد قوله" ، ثم أضاف: هي صحيح البطيخة، مئة كيلو، تعجبت أنا، مئة كيلو!!!!!!!!!!!
أكمل الرجل: لكن لا داعي للشجار، أول عن أخر بدنا نشق هالبطيخة نصين وتتاكل، وختم حديثه: يالله لحم كلاب في ملوخية، إن شالله ما ردوا، وركض الرجل مسرعاً، حيث تنادي زوجته عليه منذ اندلاع الحرب، أقصد الخلاف، أقصد الاقتتال، والله ما بعرف، سميها زي ما بدك، ما اختلفناش.

المهم، حاولت مع أبنائي الثلاثة، يوسف وداليا، وياسمين، أن نقدم شيئاً لهذه الحرب الضروس بين الفريقين، خصوصاً أن الموضوع" مش محرز" ، ثم أنه زاد عن حده كثيراً، وما أن قدمت، وصرخت بصوتي الجهور، يا جماعة الخير صلوا على النبي، وعلى طول الله يرضى عليهم، صلوا، ما تأخروش، ووقفت في المنتصف، أشرح لهم، فضل الصلح، والمصالحة، وكراهية الخصام، ويا هادي، سكتوا شوي، ثم كتبت وثيقة صلح، ليوقع عليها الطرفين، وطرحت بعضاً من الحلول، لعلها ترضي الجميع، نسخت من الوثيقة نسختين، وأرسلت نسخة مع داليا للفريق الأول، ونسخة مع يوسف للفريق الثاني، وياسمين الصغيرة، وقفت تنتظر بجانب البطيخة، متلهفة، تنادي" مامااااااااا بدي بطيييييييييييييخ" وأنا أغمزها بطرف عيني، يا ماما هي نقاصاكي أنت كمان.

المهم، عاد يوسف، وقد عدل بعضاً من الشروط، وعادت داليا وقد عدلت شروطاً أخرى، وبادلنا الأوراق، فاعترض الفريقين، على تعديلات الفريق الأخر، وبدأت المناوشات، وصراخ مرة أخرى، ومن جديد، صرخت بأعلى صوتي: صلوا على النبي، وصلوا، ما قصروش، وبعثت أبنائي، وعادوا بالورق، ثم عدلنا، وصرخنا مرة أخرى، وحاولت جهدي، وهكذا الله وكيلك، بقينا لأسبوع كامل، أولادي يروحون ويجيئون، وأنا مش هاين علي المساكين الي بدبحوا في بعض، وياسمين، واقفة تنتظر بلهفة، وتزيد وتعيد وكأنها لا ترى شيئاً: " مامااااااااا بدي بطييييييييييخ".

وبعد جهد من المناوشات، والمناورات، والمحاولات الجاهدة من قبلي، ضاعت أحلامي في غمضة عين، وعليها المزيد من الخسائر الشخصية أيضاً، فأولادي سئموا، الحوار والنقاش، ومن كثرة ترددهم على كل فريق، تغير تفكيرهم، وتأثر، فأعلنوا لي على وثيقة أخرى، انتماء كل منهم لفريقه، وأنا أصابتني الصعقة، يوسف مع الفريق الأول، لا يسمع نداءاتي، ولا يعي لدعواتي، وهاتك يا خبط في الفريق الثاني، وداليا مقابله في الفريق الآخر، ونازلة ضرب وخبط في هالطناجر، والأحذية اللولبية، وصوتي العالي، أخفته حرارة الغضب والكراهية، بين الفريقين، وغدوت أبحث عن أبنائي الضالين، وأنادي لا يسمعني منهم أحد، بينما كسرت البطيخة من المنتصف، بإحدى القذائف، والفريقين مشغولين بضرباتهم، وقد نسوا أيضاً موضوع الخلاف، وأنا في المنتصف، وياسمين وحدها من أخذت جانباً بعيداً منزوياً، حيث لا يراها أحد وبدأت تغوص في لذة البطيخ، أما أنا فقد داستني الأقدام المتناحرة حتى لفظت أنفاسي الأخيرة.

فضحتونا...


والله لم أكن أنوي أن أحدثكم بقصتي، ولكن خبر قرأته على أحد المواقع، أعاد بي الزمن إلى الوراء، إلى ما قبل خمسة عشر عاماً، أو أكثر بقليل، فلتلك الأيام ذكريات زي السكن، أقصد ذكريات مليئة بالأشجان والعبر.

وللمعرفة، أنا رجل عصامي، بنيت نفسي بنفسي، وحاربت كثيرا للوصول إلى هذا المنصب، فتلك مهمة شاقة، لا يصلها إلا العظماء أمثالي، والمثابرون، والصامدون، والمتضامنون، والخائفون على أوجاع ومصالح هذا الوطن، والباكون، والمولولون دائماً بسبب وبدون سبب، والوقحون أيضاً، فتلك مهمة تحتاج إلى قدر كبييييييييييييييير من الوقاحة.

المهم ما علينا... كنت أحد العمال الذين يعملون في بيع الخضروات، هذا الكلام كان منذ عشرين عاماً أو أكثر، لم أعد السنين، والقصص، وماذا سأذكر، وماذا سأترك، كثيرة هي القصص.   المهم ، في تلك اللحظة كان عمري يقارب الخامسة والعشرين، حينما دلني صديق لي على تهريب شحنة من السجائر، وبدأنا بكل شجاعة، ودون أي خوف، فهو الفقر الذي يسرق الخوف من القلوب، ، "ولعبت معنا حلاوة، شحنة ورا شحنة، وعرفنا في الجمارك، وعلى الحدود، وأصبحنا نهرب الشحنة ونضع في جيب الضابط كروزين دخان"  على سبيل الرشوة يعني.

 وذاع صيتي في المنطقة، المهرب راح، المهرب أجا، وأنا انتظر أن يصل الصيت إلى رجال الشرطة، وأتلصص الأخبار لمعرفة ردة فعلهم، وأن يأتوا إلى التحقيق معي أو محاسبتي، أو حتى الحصول على نسبة من التهريب، لكن يبدو أنهم كانوا مشغولين في أنواع أخرى من التهريب، ففي بلدي لكل واحد تخصص، وكله ماشي بالتهريب، ثم بدأت إغراءات صديقي تزداد شيئاً فشيئاً، وأشار علي بشحنة حشيش هذه المرة، وأنا بيني وبينكو حسبت الحسبة ما صدقت، قلت خبطة وحدة، بعدها يا بخبط راسي في الحيط، يا برتاح لآخر العمر...

وكثرت الأموال، وهذه المرة للحق، وللأمانة، الجماعة كانوا خايفين على مصلحة الوطن، وعلى طول،  أتت الشرطة لتحقق معي، وفي ليلة وضحها استبدلت لقب مهرب الدخان إلى لقب أرفع، وترقيت درجة في سلم الإجرام وأصبحت مهرب حشيش، وبديش أقلك عاد، البيوت، الأراضي، الخير، الملاين، والأولاد دخلوا إلى مدرسة أجنبية، وصاروا يرطنوا بالانجليزي، الله يباركوا الحشيش يا شيخ، والله قرشه حلو.

وقد كبر صيتي في المنطقة، واحتفل معي الجيران بمناسبة حصولي على اللقب، وأعدت الجارات الطعام، وأتوا جميعاً بالهدايا، وازدحم البيت بالزوار، قليل منهم جاء ليهني، والكثيرون منهم، جاء لطلب الواسطة، ما تستغربوش، ما هو تاجر حشيش، يعني واسطة كبيرة بالبلد، وكل الوزرا بجيبتي، ها ايش إلي مقعدني لليوم بتاجر، وتطور معي الوضع، وانتشرت أنواع جديدة من المخدرات، وأصبح لدي خبرة عريقة بكل الأنواع، ترمال، على حشيش، على ابصر ايش،،،خبير يا عم، وواصل.

بس والله الحق يقال الشرطة ما سابونيش، مرة تحقيق، مرة سيارة شرطة تيجي تفتش الدار، مرة مكالمة فيها تهديد، بس لااااااااااا، أخوكم صاحي، ما حدش قدر يمسك علي أشي.

ما علينا ووصلت إلى حيث يصل الواصلون، أمثالي، حينما اجتمع عتوات الحي، وأشاروا علي بترشيح نفسي للوزارة، وسألتهم طبعاً، أي وزارة، يا جماعة الخير الوزارات بتهش دبان، وقرشها تعبان،  قالولي يا عم وزارة من هالوزرات إلي بتفاوض، شو يعني راح تخسر، والله شغلهم حلو، نازلين فط ونط من بلد لبلد، بتطير زهق،  أنت معك مصاري كتير، وناجح ناجح، وبعدين فاوض مع ها الي بفاوضوا شو راح تخسر، وإذا ما مشيت المفاوضات يا عم، تاجر بالأراضي، بيع، بيع، ما هم برضوا إلي بفاوضوا ببيعوا، وبدلوك على الهبرات الكبيرة، تجارة الأراضي بتجيب، وانت سيد العارفين.

ومع أنني فكرت كثيرا في إلي راح أفاوض عليه، ومع أنه لم يبق ما نفاوض عليه، لكن ماذا يمنع، فنرشح يا عم، والي معه مصاري بفوز، ولكن بدكم الصراحة شعرت بالخجل من نفسي، فملت على جاري أبو أحمد وسألته: يا عم الوزارة هادي بدها واحد متعلم، وأنا عمري ما مسكت قلم، يا دوب بعرف ارسم اسمي، فضحك أبو أحمد مرددا: يا حبيبي بتشتري، في كتير راحوا برا ورجعوا بالدكتوراه بسنتين، وبرضو بفاوضوا، هي المفاوضات من كتر صعوبتها، يا عمي جرت قلم، مش مطلوب منك غير توقع، كل ما يعطوك ورقة، وقع، وقع، فاستغربت وسألته: أوقع على الغميض يعني يا أبو احمد، فقهقه الرجل، يا عمي على الغميض، هم يعني إلي بفاوضوا كيف بوقعوا فكرك.

ودخلت الانتخابات، وعكس ما توقع أخوكم، فزت فوزا كاسحاً، يا عم اتاري الانتخابات هادي سهللللللللللللللللللة، أشي ببلاش، جرة قلم زي عمي أبو احمد ما بقول.

وحلفت اليمين، ولا أدري على ماذا حلفت، كل إلي فهمته، أني حخدم الوطن، ما أنا طول عمري بخدم الوطن، وبسكر في هالشباب، وبطفح فيهم من كل الأشكال أشي حشيش، واشي ترمال، واشي بلاوي زرقا، حدا قدّر، المفروض والله يا عم يحطوني رئيس كمان، على قولة أبو أحمد كلها جرت قلم، توقيع ورا توقيع، حدا عارف على ايش بدي أوقع، بس هينة، ما دام وصلنا للوزارة، يبقى حنوصل للرئاسة، مش صعبة، من جد وجد يا عم..

المهم لا أخفي عليكم، ولن أطيل، أخذت الوزارة من هنا، وهوب سافرنا أنا وصحابي الوزرا من هنا، كما توقع أبو أحمد تماماً،  ولكن، زملائي الوزراء، فضحوني، ولا أخفي عليكم، نكست رأسي بعدها متثاقلاً مما فعلوه على المعبر، وطلعوا الجماعة مستجدين كتير، قال بدهم يهربوا دخان على المعبر، يا عم طب قلولي ، كان دليتكم على الفولة، مش عارف انو معكم مهرب خبررررررررررررة، هي انفضاحنا، عاجبكم ؟!!! الله لا يردكم.