الجمعة، 8 يونيو، 2012

فضحتونا...


والله لم أكن أنوي أن أحدثكم بقصتي، ولكن خبر قرأته على أحد المواقع، أعاد بي الزمن إلى الوراء، إلى ما قبل خمسة عشر عاماً، أو أكثر بقليل، فلتلك الأيام ذكريات زي السكن، أقصد ذكريات مليئة بالأشجان والعبر.

وللمعرفة، أنا رجل عصامي، بنيت نفسي بنفسي، وحاربت كثيرا للوصول إلى هذا المنصب، فتلك مهمة شاقة، لا يصلها إلا العظماء أمثالي، والمثابرون، والصامدون، والمتضامنون، والخائفون على أوجاع ومصالح هذا الوطن، والباكون، والمولولون دائماً بسبب وبدون سبب، والوقحون أيضاً، فتلك مهمة تحتاج إلى قدر كبييييييييييييييير من الوقاحة.

المهم ما علينا... كنت أحد العمال الذين يعملون في بيع الخضروات، هذا الكلام كان منذ عشرين عاماً أو أكثر، لم أعد السنين، والقصص، وماذا سأذكر، وماذا سأترك، كثيرة هي القصص.   المهم ، في تلك اللحظة كان عمري يقارب الخامسة والعشرين، حينما دلني صديق لي على تهريب شحنة من السجائر، وبدأنا بكل شجاعة، ودون أي خوف، فهو الفقر الذي يسرق الخوف من القلوب، ، "ولعبت معنا حلاوة، شحنة ورا شحنة، وعرفنا في الجمارك، وعلى الحدود، وأصبحنا نهرب الشحنة ونضع في جيب الضابط كروزين دخان"  على سبيل الرشوة يعني.

 وذاع صيتي في المنطقة، المهرب راح، المهرب أجا، وأنا انتظر أن يصل الصيت إلى رجال الشرطة، وأتلصص الأخبار لمعرفة ردة فعلهم، وأن يأتوا إلى التحقيق معي أو محاسبتي، أو حتى الحصول على نسبة من التهريب، لكن يبدو أنهم كانوا مشغولين في أنواع أخرى من التهريب، ففي بلدي لكل واحد تخصص، وكله ماشي بالتهريب، ثم بدأت إغراءات صديقي تزداد شيئاً فشيئاً، وأشار علي بشحنة حشيش هذه المرة، وأنا بيني وبينكو حسبت الحسبة ما صدقت، قلت خبطة وحدة، بعدها يا بخبط راسي في الحيط، يا برتاح لآخر العمر...

وكثرت الأموال، وهذه المرة للحق، وللأمانة، الجماعة كانوا خايفين على مصلحة الوطن، وعلى طول،  أتت الشرطة لتحقق معي، وفي ليلة وضحها استبدلت لقب مهرب الدخان إلى لقب أرفع، وترقيت درجة في سلم الإجرام وأصبحت مهرب حشيش، وبديش أقلك عاد، البيوت، الأراضي، الخير، الملاين، والأولاد دخلوا إلى مدرسة أجنبية، وصاروا يرطنوا بالانجليزي، الله يباركوا الحشيش يا شيخ، والله قرشه حلو.

وقد كبر صيتي في المنطقة، واحتفل معي الجيران بمناسبة حصولي على اللقب، وأعدت الجارات الطعام، وأتوا جميعاً بالهدايا، وازدحم البيت بالزوار، قليل منهم جاء ليهني، والكثيرون منهم، جاء لطلب الواسطة، ما تستغربوش، ما هو تاجر حشيش، يعني واسطة كبيرة بالبلد، وكل الوزرا بجيبتي، ها ايش إلي مقعدني لليوم بتاجر، وتطور معي الوضع، وانتشرت أنواع جديدة من المخدرات، وأصبح لدي خبرة عريقة بكل الأنواع، ترمال، على حشيش، على ابصر ايش،،،خبير يا عم، وواصل.

بس والله الحق يقال الشرطة ما سابونيش، مرة تحقيق، مرة سيارة شرطة تيجي تفتش الدار، مرة مكالمة فيها تهديد، بس لااااااااااا، أخوكم صاحي، ما حدش قدر يمسك علي أشي.

ما علينا ووصلت إلى حيث يصل الواصلون، أمثالي، حينما اجتمع عتوات الحي، وأشاروا علي بترشيح نفسي للوزارة، وسألتهم طبعاً، أي وزارة، يا جماعة الخير الوزارات بتهش دبان، وقرشها تعبان،  قالولي يا عم وزارة من هالوزرات إلي بتفاوض، شو يعني راح تخسر، والله شغلهم حلو، نازلين فط ونط من بلد لبلد، بتطير زهق،  أنت معك مصاري كتير، وناجح ناجح، وبعدين فاوض مع ها الي بفاوضوا شو راح تخسر، وإذا ما مشيت المفاوضات يا عم، تاجر بالأراضي، بيع، بيع، ما هم برضوا إلي بفاوضوا ببيعوا، وبدلوك على الهبرات الكبيرة، تجارة الأراضي بتجيب، وانت سيد العارفين.

ومع أنني فكرت كثيرا في إلي راح أفاوض عليه، ومع أنه لم يبق ما نفاوض عليه، لكن ماذا يمنع، فنرشح يا عم، والي معه مصاري بفوز، ولكن بدكم الصراحة شعرت بالخجل من نفسي، فملت على جاري أبو أحمد وسألته: يا عم الوزارة هادي بدها واحد متعلم، وأنا عمري ما مسكت قلم، يا دوب بعرف ارسم اسمي، فضحك أبو أحمد مرددا: يا حبيبي بتشتري، في كتير راحوا برا ورجعوا بالدكتوراه بسنتين، وبرضو بفاوضوا، هي المفاوضات من كتر صعوبتها، يا عمي جرت قلم، مش مطلوب منك غير توقع، كل ما يعطوك ورقة، وقع، وقع، فاستغربت وسألته: أوقع على الغميض يعني يا أبو احمد، فقهقه الرجل، يا عمي على الغميض، هم يعني إلي بفاوضوا كيف بوقعوا فكرك.

ودخلت الانتخابات، وعكس ما توقع أخوكم، فزت فوزا كاسحاً، يا عم اتاري الانتخابات هادي سهللللللللللللللللللة، أشي ببلاش، جرة قلم زي عمي أبو احمد ما بقول.

وحلفت اليمين، ولا أدري على ماذا حلفت، كل إلي فهمته، أني حخدم الوطن، ما أنا طول عمري بخدم الوطن، وبسكر في هالشباب، وبطفح فيهم من كل الأشكال أشي حشيش، واشي ترمال، واشي بلاوي زرقا، حدا قدّر، المفروض والله يا عم يحطوني رئيس كمان، على قولة أبو أحمد كلها جرت قلم، توقيع ورا توقيع، حدا عارف على ايش بدي أوقع، بس هينة، ما دام وصلنا للوزارة، يبقى حنوصل للرئاسة، مش صعبة، من جد وجد يا عم..

المهم لا أخفي عليكم، ولن أطيل، أخذت الوزارة من هنا، وهوب سافرنا أنا وصحابي الوزرا من هنا، كما توقع أبو أحمد تماماً،  ولكن، زملائي الوزراء، فضحوني، ولا أخفي عليكم، نكست رأسي بعدها متثاقلاً مما فعلوه على المعبر، وطلعوا الجماعة مستجدين كتير، قال بدهم يهربوا دخان على المعبر، يا عم طب قلولي ، كان دليتكم على الفولة، مش عارف انو معكم مهرب خبررررررررررررة، هي انفضاحنا، عاجبكم ؟!!! الله لا يردكم.

ليست هناك تعليقات: