الأربعاء، 2 نوفمبر، 2011

في بيتنا فأر...

يا جماعة، دخل لبيتنا فاااااااااااااااار.
 هكذا وبدون مقدمات فوجئت بوجود فأر في حمام البيت، وأنا التي أخاف الفئران، لم احتمل هذا الحدث المروع، ولم استطع حتى محاولة الاحتمال، ثم فكرت لدقيقة، أنا يحدث معي ذلك، شعرت بالاهانة والله، أنا التي أتباهى بقوتي في جميع المحافل، وبقدرتي على الاعتماد على نفسي، واهتف دائما: أن المرأة تستطيع الاستغناء عن الرجل ما دامت تعمل، وتحمل شخصية قوية لا تهتز أمام أي من الأزمات، " لكن للأسف لم أعمل لهذه الأزمة أي حسابات، يعني  طلع في حمام البيت فار، هدم كل المبادئ التي كنت احملها"


وبما أنني مصرة على مبادئي، وبما أنني صرخت بأقوى أصوات حنجرتي، بعدما رأيت الفأر، في ساعة متأخرة من فجر ذلك اليوم، على زوجي ليأتي مسرعاً لإغاثتي، ولكنه مشكوراً أثر النوم، خصوصاً حينما أتى ليفتح باب الحمام فوجده مغلقاً من الداخل، وبعد أن طلب مني فتح الباب، ولم أوافق، لأن الفأر اختبأ في مكان قريب من الباب، وبعد أن هتفت وبكيت، وتنازلت عن كل مبادئي مرغمة، وأصبحت تلك الصحفية التي تهتف بقوة المرأة وقدرتها على التحكم بحياتها والاستقلالية بذاتها، والتي تتسمر برعب الآن فوق " طرف البانيو" خائفة حتى من فتح الباب، بعد ذلك كله، ناديت وناديت، ورفضت الاقتراب من الباب، وعاد زوجي هانئاً إلى فراشه دون اكتراث لصرخاتي وهو يردد" شو أعملك، افتحي الباب خلصينا" لكن الحمد لله  خرجت على خير بعد أن أقدم ابني يوسف على كسر الباب وإخراجي عنوة من الداخل، وأنا في شبه غيبوبة من كثرة الخوف.


ولا احكي ولا أبالغ، فأنا فعلاً لدي عقدة الخوف الرهيب، الخوف المستفز، الخوف الغريب، من الفئران، وجميع الحيوانات الزاحفة والحشرات، لدرجة انه أهون على نفسي والله كثيراً أن تقوم الحرب في غزة، من اكتشافي لوجود فأر في بيتي.


وألان وبعد أن استقر الفأر في الحمام، وخرجت أنا بالسلامة، أقفلت الباب، وفرشت أسفله قطعة قماش، حتى لا يخرج الفأر بأي طريقة، وبعد أن دخل زوجي للتفتيش، واكتشف أن الفأر يأخذ من مجراة الغسالة مقراً لسكنه الجديد، بدأنا ألان نخطط لإلقاء القبض عليه، فبدأنا أولاً بالغسيل، فالغسالة سوف تصب الماء في المجرى وتغسل، ثم تصب، والفأر في المجراة، وهنا شعرنا أن هناك أمل بموته، بل تأكدنا أنه مات بالفعل، فمن يحشر داخل أنبوب للمجاري، ويسكب الماء فوقه، أكثر من أربعة مرات، " أشي مغلي، واشي بالصابون، واشي ماء شطف" يعني أكيد ماااااااااات، لكن المفاجأة الكبرى- الفأر لم يمت-  بل ظهر ليتمختر في اليوم الثاني وكأن شيئاً لم يكن، حسناً.. هناك طريقة أخرى-حسب اقتراحات زوجي- نضع له صمغ فئران، سألت زوجي فورا" وهل هذه الطريقة مضمونة لقتل الفأر، سمعت أن بعض الفئران يعرفونها، بل ويكشفونها، ضحك زوجي كثيرا مستهزئاً، ولكن بالفعل، وضعنا صمغ الفئران، فعرفه ذلك الفأر الملعون، وبدأ يخطو فوقه ومن جانبه، بقدميّ فأر خبير ومحنك، ويخرج كل يوم ليرعبنا ثم يعود إلى مقره سالماً غانماً، وأنا جافاني النوم، وتوقفت كل مسيرة حياتي بسبب ذلك الفأر.



ثم بدأت أعيد حساباتي، ماذا لو سكنت مع فأر لوحدي في مكان واحد، الفأر حيوان ضعيف، وليس لديه مقدرة ، " ومين أقوى يا بنت يا رشا، أنت ولا الفأر".  و بدون رد على ذلك السؤال المحرج، اقترحت على زوجي بأن يأتي بقط إلى البيت ليصطاد ذلك الفأر" ويخلصنا"


واتى القط، وبدأنا بإغرائه، ومعّزته معّزة مميزة، أشي مرتديلا، ودجاج،  واشي سمك، وطعموا القط  يا ماما، عشان يتنشط، وعشان يحب البيت، وعشان يألف الوضع، ويبدأ بالشمشمة بحثا عن الفأر، عشان يستحي على دمو.


 ويقولون أن القط يشم رائحة الفئران عن بعد، لكن ماذا دهى هذا القط، يبدو أنه فاقد لحاسة الشم، والفأر يخرج، ويختبئ، وانتشر عمله وتوسع، فتعدى نطاق الحمام، وامتد ليطول المطبخ، وغرفة ابني يوسف، وغرفة ابنتي داليا، ولم يبقى في البيت غير غرفتي، فسارعت إلى إغلاقها بإحكام، وتسكير كل الفتحات التي يمكن أن يكون هناك احتمالية لدخول الفأر من خلالها، ومنعت فتحها إلا للضرورة، وبت أنام بعين مغمضة واحدة، وبالأخرى أراقب الفأر فهناك إمكانية لتسلله عبر أي فتحة، فهو فأر، ورأسه يمكن أن يدخل من تحت جميع الأبواب، ومن تلك الأماكن التي لم نعمل لها حسابات.


والقط ممدد على الأريكة في الصالون، يأكل ويشرب ويتمغط، ونحن جميعاً نقف ونتربص، فما أن يركض القط فجأة إلا ونركض وراءه، وان تطلع القط إلى زاوية معينة إلا وتحدق أنظارنا جميعا نحوها بلهفة دون تردد، لعله عثر على الفأر المختبئ في بيتنا منذ أيام.


وللعلم الفأر يصبر على الجوع كثيراً، ويأكل أي شيء، وهو للأسف الأقرب شبها إلى الإنسان، وإلا ما كان استخدم للتجارب في المعامل والأبحاث العلمية.  كما أن هناك أقاويل تقول بأن الفأر أيضاً يعود في أصوله إلى الخنزير، فيحكي أن الخنزير عطس في سفينة نوح عليه السلام فأخرج الفأر، وبينما بدأ الفأر بإزعاج الحيوانات الأخرى، وقضم حبال السفينة، وإذا بالأسد يعطس فيخرج القط، وبدأ القط بملاحقة الفأر حتى قتله، يعني القط أصله أسد، طيب بالله يا قط يالي أصلك أسد، قوم واقتل الفأر المختبئ لدينا في الحمام.


وبعد أن سمعت أن هناك مذيعات في محطة BBC   قد هددوا الإدارة بتقديم استقالاتهن بسبب وجود الفئران في الإذاعة، " يعني وصلت الفئران لـBBC والله هي الفئران وصلت وإحنا ما وصلناش، بكرة بنلاقي أعضاء في المجالس التشريعة بيهددوا بتقديم استقالتهم ، برضو بسبب الفئران، يعني الفئران هي سبب كل البلاوي إلي في الدنيا وإحنا مش عارفين.


المهم توصلنا أخيرا إلى قرار مفاده أن الفأر لن يموت إلا بتكاتفنا جميعاً، ووعدت أن أقف إلى جانب العائلة في هذا الموقف الجلل، وأن أتجاوز كل مخاوفي، وتدربت على ذلك طويلاً، لدرجة أنني شعرت لوهلة بسيطة" وهلة بسيطة، يعني لا تتعدى الثانية لا أكثر " بأنني قد تخلصت من عقدتي الأزلية، وسأتولى وحدي مسألة قتل الفأر.


وجاء اليوم المتفق عليه، حينما تيقنا أن الفأر قد اختبأ في المطبخ، وقد قرصه الجوع، فأدخلنا القط، ودخل زوجي ومن ثم دخل يوسف، ودخلت داليا إلى المطبخ، وحينما جاء دوري، اكتفيت بأن أغلقت خلفهم الباب وهربت، فتكاتفوا جميعاً، وبمساعدة القط، مات الفأر، وبقيت أنا أتفرج نادمة من بعيد، لأني للأسف لم أتخلص من عقدة الخوف من الفئران.

ليست هناك تعليقات: