الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

ارجع يا زمن ستي ....



رشا فرحات 




عرس في بيت جيراننا، ونحن لا ندري، من المتزوج، لماذا لم يقدموا لنا دعوة، لماذا لا نعلم ما يدور في بيوت الجيران، مرض فلان، ثم حولوه للعناية المركزة، وفجأة مات، وتفاجئنا ببيت العزاء وقد نصب، والكراسي فردت في أرجاء الحارة، ونحن لم نكن نعلم، مع أن " الباب في الباب" كما يقولون.



تغيرت الحياة كثيراً، وكل على همه يبكي، وأنا أتشوق لزيارة جار بدون موعد، أو لتطفل جارة كل يوم لتشرب معي فنجان القهوة" مرغمة مش بكيفي " لأن هذا كان من طقوس الحي، وللرغي الفارغ، عن مأكل الأزواج والأولاد، يعني أحياناً برم فاضي، " ما تستغربوا، أحيانا الواحد بيكون محتاج للبرم الفاضي، على سبيل التفريغ، لا غير والله" البرم الذي لا يخلو من لف طنجرة ورق عنب، أو بقورة بعض كيلوات من المحشي، على سبيل المساعدة، والجار للجار، حتى أنني اذكر أننا كنا نشم رائحة الكعك في بيت جارنا فنرسل أحد الأبناء لنطلب إطعامنا من كعكهم، وهم أيضا كانوا يطلبون تذوق كعكنا" عشان ما حدا يقول إنا كنا بنطلب من الجيران هيك" صلبطة " بل كنا نخصص أمسيات في آخر أيام رمضان ونتوافد للجيران لصناعة الكعك مناوبة " كل يوم في بيت أحد الجارات، والي ما بدها تعمل كعك راح تعمل غصب عنها، عشان توري شطارتها للجارات.



والأفراح وما أدراك ما الأفراح، يصطف الجميع، ليعرض عليك مساعدته، وعلى الرغم من أنك تكون في حالة "عفيان حالك" لكنك ستفرح حتما حينما تشاهد مراجل أبناء الحي، و تملأ الزغاريت والأغاني كل أرجاء الحارة، لمدة أسبوع كامل، أنت ترقص وكل الحارة ترقص إلى جانبك، أما في هذه الأيام أصبح ينظر أحدنا إلى حفلة عرس جاره من نافذته، ثم يردد: والله قلة أدب يعني ما بعرفوا يفرحوا الا إذا أزعجوا كل الحارة، وسمعوا أغانيهم لكل الحارة"، وبصراحة أنا أحياناً بحكي هيك..



وكان لنا طقوس في المقابلات والود بين الجيران، فنركض إليهم في كل خطب، وفي كل مناسبة، بدون حساب، بدون أن نسأل أنفسنا" أجاني ولا ما أجاني" " شو جابلي هدية، ولا ما جابلي، مين أخر مرة زار الثاني، أنا زرت، لا يا عم مش رايح ، لازم هو إلي يجي، هو شو إلي جابلي إياه، من كتر ما بيجي يزور يعني.



وتحكي لي حماتي عن زمان كانوا يتبادلون السهر في الشرفات وساحات البيوت الكبيرة في مدينة غزة، ويرسلون السلام والمحبة بين بعضهم البعض بمناسبة وبدون مناسبة، حينما كانت نساء الحي في دوار حيدر حيث كانت تقطن حماتي" الحيفاوية" خد بالك من دوار حيدر واربطها مع الحيفاوية على طول، ست معزوزة من يوم يومها، وقد كان السائد بين النساء في تلك البقعة من مدينة غزة، التبادل والسهر مع بعضهن البعض كل أسبوع، فيتقابلن في لقاء أسبوعي مرفه، إذا ما قورن بغيرها من الأماكن، في الجنوب، ومخيمات اللاجئين، وبما يسمى ذلك اللقاء المدني المتحضر بــــ" استقبال" ويبدأ النساء بتقديم أفضل ما لديهن من طعام وضيافة، وموسيقى، ورقص، يا سلام، كل في يوم استقبالها، حتى لينتشر بين المعارف الأصدقاء أن " موعد استقبال الست..فلانة...في يوم كذا....." ويتهافت النساء إلى زيارتها في ذلك الموعد.





أما في المخيم، كانت ستي أم علي تسكن أول بيت في مخيم رفح، على ناصية الشارع العام، مقابل سوق الخضار، وبجنبها فرن الحاج أبو ناجي، ودائمة الجلوس أمام الباب، والجلوس أمام الباب أحد الطقوس الدائمة في مخيمات اللاجئين، وكان الذاهب إلى الفرن، يجلس بجانبها قليلاً ، والعائد من الفرن يلقي السلام ويلقي في حجرها أخبار أهل المخيم، فتقدم لهم ما يوجد في بيتها من خير بسيط، وتلك الكلمة على لسانها الطيب، الله يرضى عليهم الغياب" تقصد أبي وأعمامي" ثم تردد" الخير كتير" الله يرضى عليهم الغياب"



ولأن جدتي تجلس بشكل دوري على باب البيت الأزرق، الملون بزهور حمراء، في بيت من الأسبست، تفتخر بأبنائها الغائبين في الغربة، بعد أن رحلوا جميعاً وتفرقوا في بلاد الله، فكان الجلوس أمام الباب سلوى لوحدتها، وونيساً، وخبر تلتقطه من هنا وهناك، لتوصله لأبي الغائب المغترب، الذي كان يتلقط أخبار أبناء المخيم لعلها تعيد له بعض من ذكريات طفولته.

كانت جدتي " أم علي" تعرف كل أخبار المناسبات، والأفراح، ولا تقبل رغم عجزها وضعف حركتها، الا أن تشاركهم فرحتهم، فيمر من جانبها عائلة تهم بالدخول إلى احد البيوت في المخيم، فتستشعر مناسبة أو عرساً في قلب المخيم، فتبادرهم بالسؤال:

- وين رايحيين يا جده

- على دار فلان يا حجة، بدهم يجوزوا ابنهم

- طيب، بجاهة الله تستنوا شوي

فتركض جدتي بقدميها الضعيفتين، إلى كيس الطحين الراقد في البرميل، في قاع الدار الاسبست، وتغرف بيديها فتملأ صينية من الطحين، وتزينها بعرق من الريحان، أو الورد الجوري، وتعطيها للواقف حتى يأخذها لأهل العرس، وتشدد عليه بأن يقول لهم: هادي من الحاجة أم علي يامه.

فيحملها ويركض، وهو وزمتو عاد، بيقول ما بيقول..



وفي حالة مرض أحدهم تسأل المارة أيضا، وبعد أن تذرف دمعتين، وقد كان ذرف الدموع عادة ملازمة لها ، ككل الأمهات في المخيم، وبعد أن تسأله أن يقرأ السلام على المريض، وتدعو له من فمها المبارك، ثم تحمل ذلك العابر رطلين من السكر، وتقول له: ما تنساش يا جده، قلهم، هادا من أم علي يامه.



يا زمانك الحلو يا ستي، ارجع يا زمن ستي..

ليست هناك تعليقات: