الأربعاء، 28 نوفمبر، 2012

من نافذة شقة بابا !!!!


رشا فرحات

حينما كنت اسكن في شقة بابا التي على الدور العاشر، في أحد أفخم الأبراج في مدينة غزة "  فرصة للفشخرة" كنت أرى غزة من فوق، بمنظر مختلف، جميلة براقة، من بعيد، خصوصاً بالليل" تقولش باريس"، باريس مين؟!!، بينما في النهار، وأنت ترى البحر من على بعد، تظهر لك جزر الهاواي، " هاواي، مين؟!!، الظاهر إن الواحد بدا يخرف"

أنظر من النافذة الغربية من شقة بابا إلي على الدور العاشر إلي في أكبر أبراج غزة، التفت، تنازلاً مني، إلى اليمين تماماً، يظهر في الأفق معسكر الشاطئ، ذلك المكان المليء بالمجاري الجارية الراكضة دون خجل أو وجل، بين أقدام الناس، شيء مخزي مقزز، انظر بقرف، وأنا أتخيل منظر الأطفال المهجرين وهم يلعبون في مياه جارية مليئة بالصراصير، والأوساخ، ألوم نفسي لتنازلي وتضحيتي بالنظر إلى تلك البقعة الموبوءة، ثم أتساءل، متى سيرفعون هذه المخيمات، ونرتاح إلى الأبد من مشكلة اسمها مشكلة اللاجئين، يا اللاهي، وإذا رفعوا المخيمات، أين سيذهبون بالسكان، هل سيخلطون اللاجئين معنا هكذا ببساطة في قلب المدينة، وتتساوى جميع الرؤوس ، "إلي ساكن في حي الرمال" أمثالي"  زي إلي ساكن في مخيم الشابورا، ولا مخيم دير البلح، ثم أعود إلى عقلي فجأة محدثة نفسي: مش مهم خليهم هيك زي ما هما، هيها قضية بتدخل للبلد دولارات والسلام.

والله أشعر كثيراً" وهي مشاعر جياشة تعتريني دوماً"  وأنا أنظر من نافذة شقة بابا إلي على الدور العاشر، والتي في أفخم أبراج غزة، أشعر بميل يعتريني للذهاب لزيارة أحد المخيمات، من باب السياحة، والمعرفة وجمع المعلومات، يجوز أن أحصل على مجموعة من القصص الإنسانية التي ربما تثري حصولي على بعض الدعم الشحيح، من منظمات الأمم المتحدة، أو أي من دول الخليج، أو حتى من سوريا ولا إيران، أي دعم والسلام، فقط من أجل جمعية معاقي الحرب، و التي أترأس إدارتها منذ كثرت الحروب على غزة، ربما استطعت بناء طابق ثالث في الفيلا، أقصد في الجمعية لخدمة قضايا المعاقين ، ضحايا الحرب طبعاً..


أنظر يسارا من نافذة شقة بابا إلي على الدور العاشر في أفخم أبراج غزة، فأرى ذلك المكان الذي اعتقل، أقصد حبس، "مش عارفة حبس ولا اعتقل" ، فيه ابن الحاجة صفية بتهمة التخابر مع رام الله، وجاءت المرأة تتوسل وترجونا بأن نحاول أن ندلها على أي خيط يعرفها طريق ابنها الغائب منذ ثلاثة شهور، دون أن تعلم عنه شيئاً، لكن، ماذا سأفعل لها، صحيح أني عضوه في مجلس إدارة أحد مؤسسات حقوق الإنسان المشهورة في غزة، لكن هذا الملف بالذات، لا يمكن لأي أحد أن يتدخل فيه، وما دخلنا نحن، خلي الواحد  ماشي جنب الحيطة وبيقول يا رب، ثم أن مؤسسات المجتمع المدني جميعها ممنوعة من التعامل مع حكومة غزة، يعني يوقف الدعم عنا عشان الحاجة صفية وابنها يرتاحوا.

ثم من نافذة شقة بابا إلي على الدور العاشر في أحد أفخم الأبراج في مدينة غزة يطل عليك منزل، أم يحيى وقد أطفأت أنوارها بعد أن أنفض بيت العزاء، الذي كان مزعجاً بأصواته المختلطة طيلة ثلاثة أيام سابقة، أخيراً ارتاحت أم يحيى، والله لم يعد احدنا يدري ماذا يقول، لكنها بالفعل ارتاحت، في كل أسبوع تذهب مع ابنها لغسيل الكلى مرتين أو ثلاثة، وهو في حالة متدهورة، مرة يعاني من نقص في العلاج، ومرة جهاز الغسيل خربان، ومرة الكهربا قاطعة، يعني ارتاحت ولا لا ، طبعا ارتاحت...

ومن نافذة شقة بابا إلي على الدور العاشر،" ترى في الأسفل تماماً إذا ما أخفضت نظرك لدقائق، فقط لدقائق، مش راح أطول عليك، يعني تنازل ونزل راسك شوية علشان تشوف" ترى خلالها لجنة زكاة غزة، والتي اصطف أمامها العمال في الشهر الفائت ليصرفوا مبلغ مائة دولار، معونة من قبل الحكومة" والله مش عارفة أي حكومة فيهم، المهم أنها معونة عمال تأتي كل سنة أو سنتين، حقنة بينج مؤقتة، وذلك ليس إلا بمناسبة الاحتفال بعيد العمال، طبعاً، كما تعلم ويعلم الجميع، أن العمال فئة لا يمكن وصفها سوى بأنها " شبعاااااااانة" ما هي ربطة الخبز بسبعة شيكل، وعلبة الحليب بسبعين شيكل، وعلبة الحمص بعشرة، وزجاجة السيرج بخمسين، وكيس طحين، بمائة شيكل، وطبق بيض على علبتين فول، على علبتين صلصة، وذا زاد بيجيب كيلوا جبنة، والحوايج الأخرى..هي خلصت المائة دولار، يعني هما العمال شو بدهم اكتر من هيك، لو ناقصهم اشي كان حكو، أكيد شبعااااااااانين، نعمة وفضل يشكروا الله..

ومن نافذة شقة بابا إلي على الدور العاشر، تشاهد فدوى تلك الفتاة الجميلة الرقيقة، والتي تشاجرت مع والدها الشهر الفائت بسبب إصرارها على دخول الجامعة، مع العلم انه لن يعطيها مليماً واحدً، فهو يؤثر تزويجها على التعليم، أملاً في التخلص من أحد الأفواه المفتوحة في المنزل لديه،  لكن الجامعة" الله يكرمها"، ولأن فدوى حصلت على 95% فقد سمحت لها أن تدرس فرع دراسات إسلامية مجاناً، وبما أن فدوى تحلم بأن تدرس العلوم، وبما أن الجامعة غير مجبرة على تكفلها، والدفع قبل دخول أي محاضرة إجباري، وبدون فصال منعاً للإحراج، ولا فرق بين متفوق أو غير متفوق، هادي سياسة جااااااااامعة،  وبما أن والدها لا يقدر، وبما أن المتوفر هو الدراسات الإسلامية، قبلت فدوى، مع العلم أن الدراسات الإسلامية تدرس في جميع مساجد غزة بالمجاااااااان.
لكن على قولة أم فدوى، ياما شهادة والسلام، احمدي ربك ، أنت بدك تشنقي، يعني من وينلوأبوك يدفعلك عشر دنانير في الساعة  ...

ومن فوق برضو من نافذة شقة بابا إلي على الدور العاشر في أفخم أبراج غزة، أرى ضوء الشمس يغيب، أرى البحر الأزرق خجلاً من المغيب، أرى النجوم تتلألأ، وحيدة بدون قمر، أرى سحر غزة الذي لا يشبهه سحر، واسهر حتى منتصف الليل، وعلى ذلك أقفل الشباك وأنام مليء جفوني، على سرير مريح في شقة بابا إلي على الدور العاشر في أفخم أبراج غزة ...

ليست هناك تعليقات: