الثلاثاء، 29 مارس، 2011

 رشا فرحات

كنا نعمل معا قبل عشر سنوات، في احد المراكز الإعلامية التابعة لمؤسسة شبه حكومية، المهم أنني ذهلت عجباً حينما دخلت لاستلام عملي في أول يوم لي، و تعرفت عليه، مديري الشاب الذي يصغرني بخمس سنوات، فرحت كثيرا ورددت " والله برضو البركة بالشباب" لأننا بالطبع عانينا كثيرا من قرصنة الأقلام الكبيرة وسيطرتها على أحلام الشباب الصحفيين في غزة.

كان يوماً جميلاً ذلك الذي تعارفت فيه بمديري الصغير" مصطفى كعبور" وعلى الرغم من أن اسمه ينطبق  عليه لقصر طوله ودنوه من الأرض، وعلامات السخافة والسذاجة والغباء المختلط بالمكر التي تتجمع في وجهه الغريب الملامح،" وأنا لا أغتاب والله لكن سيبوني، من قهري".

 لكن والله سعدت "وما الكم علي حلفان" بالموهبة الفذة في الكتابة والإبداع والمهنية الصحفية التي "صوحنا" وهو يحدثنا عنها منذ اليوم الأول لدخولنا، وأنا بحثت في صفحات الانترنت عن اسمه جاهدة للتعرف على كتاباته فلم أرى أي اسم يمت لكعبور بصلة من قريب ولا بعيد، وعندما سألت مديري عن ذلك قال بثقة غريبة " أنا لا أوقع باسم مصطفى كعبور" بس انت أكيد قراتيلي، مقالاتي كلها معبية الدنيا بس باسم مصطفى محمود"
-        أنا: مصطفى محمود!!!! " أنا بعرفش مصطفى محمود غير، الدكتور مصطفى محمود تبع العلم والإيمان"
-    المدير بعصبية:" دكتور، هو صار دكتور، مصطفى محمود إلي بطلع في العلم والإيمان صار دكتور، والله هي أول علمي، بجوز، ثم يستطرد، هو على العموم منتحل لشخصيتي، الله لا يوكله، شفتي بجاحة زي هيك، كل موضوعاته مقتبسها من أفكار طرحتها، وبيني وبينك، هو لطشله اكم من مقال رصهم في شوية كتب، بس انا قلت أنسى يا ولد خلي هالناس تسترزق"....

-        أنا بفم مفتوح وعيون جاحظة: تسترزق، هي بسطة بندورة !!

وصمت كعادتي أمام كل " حالات الشزوفرينيا" التي رأيتها حتى الآن وقد تجاوزت، 200- 250، مش فاكره بالضبط، طبعاً كلها حصيلة ما تفعله إسرائيل من احتلال وتفقير، واعتقالات، وكل الأسباب إلي انتو عارفينها والي دايما بنرصها زي الاسطوانة ورا كل بلاوينا، ومع أني أرص كما يرص الآخرون نفس الاسطوانة، لكن لا يعني أن نهطش هطشة كبيرة ونسرق اسم مصطفى محمود، طب يا غلبان شوفلك واحد متداري شويه، ما حدا بعرفه، مصطفى محمود مرة وحدة. 

" بعدين والله هو أنا شو طالع بايدي، يعني بدي أغير العالم، وايش بدي أقول للي بدو يسرق عبقرية العالم مصطفى محمود، هو أنا بدي الاحق كل الهبلان إلي في البلد، مش حنخلص، بس والله عجب، هو مفكر مصطفى محمود معاه في مدرسة الإعدادية الزيتون، ولا كان بلعب معه "قلول" في الحارة".
 يبدو انه لا يعلم حتى أن مصطفى محمود يكبره بخمسة عقود على الأقل.

بادرت بسؤاله: "حضرتك يا مصطفى ايش مخلص"
-    المدير: بس معلش أنا بحب نتعامل بالألقاب، برضو أنا اسمي المدير، والاحترام واجب، يا ريت تناديني أستاذ مصطفى، ثم تابع حديثه رغم قهري الذي بدا واضحاً على وجهي:" أنت مش عارفة إني مخلص إعلام من الأزهر، والماجستير من الإسلامية، وأنا الان بصدد إنهاء الدكتوراه، من عين شمس"
-    أنا بحكي مع حالي: دكتوراه ؟؟!! أستاذ!! عين شمس!! عين تطقك، وما تصلي على النبي، هو أنت يا منيل كملت الاثنين وعشرين سنة  وقتيش يا حبيب أمك، عشان توصل للدكتوراه؟!!

أصبح السر الذي يخفيه مديري شغلي الشاغل، خصوصاً بعد ما بدأت تظهر عليه علامات " الخيبه الثقيلة"  وبدأ "يعك" فيما نكتبه من تقارير، " في محاولة لتصحيح أخطاءنا الصحفية في الكتابة"، و الألف الموصولة قلبت إلى قطع، والتاء المفتوحة قلبت إلى تاء مربوطة، هذا إذا لم ندخل في تاء التأنيث، ونون النسوة، وجمع المذكر، وجمع المؤنث، والمدود " هادي لحالها كانت فضيحة بجلاجل" .

  "المهم إن المدير طلع ما بعرف الألف من كوز الذرة"،  والموقع الإعلامي الذي نعمل على تحريره، قلب موقعاً للطبخ، وأصبح هوسه اليومي هو تصوير نفسه ونشر الصور على الصفحة يتوسطها خط بالبنط العريض" المدير مصطفى محمود"، يعني مع أخبار الاجتياح، بتطلع صوره، ومع أخبار المرأة بتطلع صوره، حتى مواضيع الأطفال" أحباب الله"، تتوسطها سحنته وهو يبتسم، وحامل بأيده مصاصة..

وأنا والله لم احسده على شيء، ولم أتأثر بأي شكل،" كنت بس حفرقع من جوا، وهو يصرخ في وجوهنا كلما تدخلنا في تصحيح نص من نصوصه التي لا تمت لمصطفى محمود" الأصلي" بأي صلة ويصرخ في وجوهنا وهو يشرب النوسكافيه،" النسكافيه"، كما كان يسميه، عندما عرفنا عليه قائلاً: أنا أول من ادخل فكرة النوسكافيه إلى عالم القهوة،" هي وصلت كمان للنسكافيه"
     وبما أننا لا نعلم من هو صاحب فكرة إل" نسكافيه" الأصلي، التزمنا الصمت كعادتنا!!

ثم يتابع صارخاً عندما يرى تهامسنا:  المعترض على كلمة يعطينا عرض أكتافه ومن بكرة بجيب غيره، هي كلها ميتين دولار وعلى حساب الحكومة.
     "الله يخليلنا الحكومة، هو إلي بصير فينا من شوية، من هالمصايب إلي متحكمة في البد"

والغريب في شخصية مديرنا الفاضل، انك كلما مررت من أمام غرفته، وجدته يقرض أطراف أظافره خائفاً أو متحمساً " وأنا أقول " يمكن قلبه حاسس" بناء على تحليلي الشخصي، ولقد أصبحت خبيرة في موضوع التحليلات النفسية، وكما يقول المثل الفلسطيني الشعبي" شوف عيني هد حيلي".
 المهم انه كان دائما في حالة من الخوف ، بالضبط" زي إلي عامل عمله" وهو يراقب النافذة ويختلس النظر ثم يبدأ في البحث عن أخبار فلانة وعلانه، وفلان وعلان" من موظفي المؤسسة" ويبدأ في تأليف القصص والحكايات، ثم يضع رجلاً على رجل، ويجيب من يوجه له تهمة" البرم الفاضي" ،" أنا واحد معي ماجستير، وبحضر للدكتوراه مش فاضي لبرم الهبلان تبعكو".

ولكن على البركة، ولصفاء نيتي لا أكثر، انكشف المستور، وجاء اليوم المنتظر، يوم الفرج،" يا لهوي كان يوم سعد"، عندما قدم احد أقاربي لزيارتي مصادفة لا أكثر، وشاهد مصطفى محمود وصرخ بأعلى صوته:"كعبوووووووووووووور، كيف حالك ولا"
وأنا ركضت مسرعة لأشاهد اللقاء الحميمي، بين كعبور، وصديقه، لعله يكشف لي بعضاً من طلاسم السيد المدير، وركضت لضيفي أسأله بحضور كعبور طبعاً، أقصد" مصطفى محمود".

-أنا : انتو بتعرفوا بعض؟؟
- الضيف: ها كيف، هاض جاري من عشرين سنين، بعرفه من يوم ما كان ياكل قتل على ايدين الأولاد في الحارة، ثم يلتفت إليه مكركراً: الله لا يوكلك ولا،  شو لابس بدله ومتبدل، شكلك زي الأفندية.
- انا: انت ما بتعرف انو مصطفى  مديرنا في مركز الإعلام.
- الضيف: نعم! : من وينلك ولا، على ايش موظفينك، مش كنت معنا في الوقائي؟؟
- انا انتهز الفرصة قبل أن يفتح مديري فمه متأتئاً، وأقول مسرعة: أي وقائي، أي وقائي؟؟
- الضيف: كنا مجندين في كتيبة وحده، وأول ما استلمنا، وقفونا عند رمزون الأزهر، فاكر ولا لما جريت على هديك البنت بدك تاخد عنوانها، وراحت الله وكيلك ضربته بالكف، وبأعلى صوتها قالتله: ما ضلش علينا غير هالشكل، يومها ضحكنا ضحك... ثم ينظر إلى كعبور مستدركاً، أنت ايش إلي نقلك هالنقله ولا، من وينلك؟!!
    - أنا أصطاد في الماء العكر" لمعرفة الحقائق وكشف المستور، وليس لأهداف أخرى " مالكم علي يمين"        وبهدوء أتكلم مع ضيفي: أستاذ مصطفى مديرنا معه ماجستير من الجامعة الإسلامية.
    - الضيف مكشرا ومبرطماً: نعم يا خوي من وينلك ولا، انت لسه السنة إلي فاتت أخدتلك قتلة  من الحاج،" يقصد والد العبقري مصطفى محمود" وأنا إلي فزعت بناتكو، عشان صارلك ثلاث سنين بتعيد في توجيهي، هلقيت صرت معك ماجستيييييييير نقله وحده ، هههههههه، مين الهبيلة إلي وراك...

-    أنا باستغراب لا يخلو من السعادة وبدون ذكر اسم الهبيلة إلي وراه، وبأعلى صوتي، توجيهي، تلات سنين، يا سلام وانا والله إلي تهت بينك وبين مصطفى محمود، طب على قدك الكذبة...
 المهم إنني لم أكمل كلامي، وقد انقض عليه العشرين موظف" زملائي" ممن عانوا الأمرين، وأوسعوه ضرباً، وهم يرددون، دكتورا، ماجستير، نوسكافيه، لا وعامل حالك أستاذ بدك نتعامل بالألقاب.
"وين إلي توجعك"

ضحكت كثيراً، وسخرت كثيراً ، وليس من باب الشماتة والله .
ثم رددت بتأمل: الله لا يرده، بس لو يمسكوني الهبيلة إلي وراه....

هناك تعليقان (2):

تامر نبيل موسى يقول...

هذة الايام يوجد الكثير من نفس هذة النوعية من تحب ان تنسب الى نفسها عمل الغير

اعتقد ان هولاء مرضى يحتاجون الى العلاج المستمر للتخلص من الحالة التى هم عليها

تسلمى على البوست

وعلى تشريفك مدونتى المتواضعة

والى مزيد من التواصل

مع خالص تحياتى

حكاية لاجىء / ياسر الرشايده يقول...

معقول لهالدرجه تصل مؤسساتنا الحكوميه من الفوضى والعشوائيه على فكره اعجبنى المقال
بتمنالك التوفيق