الثلاثاء، 29 مارس، 2011

من صفورية إلى لندن ..

رشا فرحات

كنا في الجامعة، كانت صديقتنا سهى تهوى( البكش) يعني غاوية كذب، كذب من العيار الثقيل، كذب على المكشوف، المهم الآن أن سهى صديقتنا هاتفتنا لتخبرنا أنها عادت من لندن.. خمس سنوات قضتها في جمال لندن، دون أن نعلم عنها شيء، أصلاً منذ أن  تزوجت قبل عشر سنوات ونحن لا نعلم عنها شيء، هي من هاتفنا قبل خروجها بيوم، لتقول أنها ستسافر مع زوجها وأبناءها إلى لندن.
-    أنا أحدث نفسي: لندن مرة واحدة، انت يا سهى ما وصلتيش رمزون السرايا إلا على ايدنا، واعتبرت تناول البوظة في مطعم كاظم، حدث تاريخي لن يكرر، واليوم ستذهبين إلى لندن، كشرت بكل ما أوتيت من أنواع التكاشير مرددة( اللهم لا حسد).
ومع أني شككت في رواية  لندن، إلا أنني اضطررت للتصديق هذه المرة، فهل يسافر أحدهم إلى لندن كذبا، لكن تساءلت باستغراب: ماذا تريد أن "تسخم" هي وجوزها في لندن؟! حتى جوزها لا يحمل الإعدادية، فماذا س" يلطم" في لندن، وماذا سيعمل، على العموم "ما علينا" المهم أنها عادت، وبناء على طلب شلة الجامعة لم أرفض الذهاب إلى زيارتها، ولم أخبرهم أنني أصلا لا أطيقها منذ كنا في الجامعة..

دخلنا إلى بيت سهى  - الذي لم تظهر عليه أي علامة تدل على أن أصحابه كانوا يوما في لندن- بعد السلام والكلام، وبعد ما وزعت علينا سهى لكل واحد كيس يحوي نص كيلو زعتر، ونص كيلو دقة على الماشي، و" بكيت" مرامية على سبيل الهدية ( لندن ايش هاي الي بجيبو منها دقة ومرمية) قلنا برضو ما علينا، لكن أنا زورتها على الباب قائلة لها: ( كان جبتيلك كرتونتين رأس العبد معاك من لندن يا سهى، بقولوا هناك راس العبد زاكي ما بتخير عن الدقة والزعتر) وهي وبطرف عينها ردت:
-        اوه سوري، المرة الجاية" .
-        والله وكيلكو ما سمعت منها كلمتين لندني غير اوه وسوري، الله يعلم ايش كانت تهبب في لندن، ما انا شاكة في حكاية لندن من  الأول أصل.


ما علينا خرجنا من بيت سهى ونحن في شوق عارم، للالتقاء قريبا، وتواعدنا أخيرا، لنلتقي على سبيل "تغير الجو" في منتزه البلدية- حديقة عامة مشهورة في منتصف مدينة غزة- ، حتى يتعرف أطفالنا على بعضهم البعض، وجاء هذا اليوم الموعود، الذي تأكدت فيه فعلا أن سهى لم تخرج يوما من قرية صفورية، التي تقطنها منذ تزوجت ابن عمها رغما عنها، وصفورية هي قرية تقع في الضاحية الجنوبية الغربية الشمالية الشرقية في مكان ما من قطاع غزة، المهم أنها اشتهرت بهذا الاسم، لأن معظم أهلها عندما يصلون إلى سن العشرين عاما يخرجون للصفير كل ليلة في مزامير خشب يصنعونها بأنفسهم، حتى اشتهروا وذاع صيت قريتهم  صفورية، والبعض يطلق عليها اسم، أرض المهابيل" لأنو بصراحة عملة أهلها ما بيعملها غير المهابيل" ويقال أن صفيرهم كان سببا في جلب الشياطين إلى قريتهم، حتى غدا نصف أهل القرية في
( العصفورية) ونصفهم الباقي، تأتيه حالات أشبه بالعته اليومي، ما علينا المهم أن  سهى لم تخرج يوما من صفورية  إلا لتزور أهلها في رفح، او لتشتري اثنين كيلو بندورة من سوق صفورية، القريب من مقر سكنهم، أو لتسديد فاتورة الماء والكهرباء،  وربما تعدى ذلك إلى التسوق في سوق الزاوية، "غير هيك ما تقنعونيش"

كان يوما مشرقا جميلا ذلك الذي جمعني مع سهى ووحوشها الأربعة، آسفة، اقصد أبناءها الأربعة في منتزه بلدية غزة، وهم يهتفون منذ دخولنا، "هيه هيه احنا في غزة، هيه هيه احنا في غزة"  فبادرت بالسؤال:
-        أنا: شكل أولادك ما كانوش مبسوطين في لندن يا سهى، وانا في بالي فرحانين بالعودة إلى غزة...ما علينا
-    سهى تمط شفتيها: لندن ايش، ثم تستدرك مسرعة: آه قصدك لندون، آه هي الحياة في لندون، كتير معقدة بالنسبة لأطفال في مثل سنهم، وولادي يا حرام خجولين كتير، هاديين، ومش متعودين على الحياة الدوشة، وما تتخيليش قديش لندون دوشه...

ولم تكمل سهى كلامها الا وابنها الكبير بنادي:
-        يامه يامه" بدي اركب على الكاره"
-        أنا : كارة،  يامه!!
-        أنا : ردي يا سهى، كارة ايش!!
-        سهى: يا مه انت ما زهقت كارات في لندون.
-        أنا : كارات في لندون!!!
-    سهى: الله وكيلك جارنا جورج الي في اللزق إلنا في حارة الشانزلزيه، الي كنا ساكنين فيها عندو كاره بحمار،  بموت على الاولاد، دايما بطششهم في الكارة
-    أنا: بطششهم، حارة الشانزلزيه، كارة بحمار، كانت في لندن، ولا كانت بتشيل كياس طحين على باب المؤن، فرع مخيم الشاطئ يبدو أنها حصلت على ليسانس "كارات" فرع حمير بتقدير ممتاز.( برضو ما علينا)
-        أنا: طيب يا سهى روحي شوفي ابنك الي بدو يركب على الكارة!!
-        سهى: لا مش مهم ما هو متعود بركب لحاله.

تلف سهى رأسها وتجعر بأعلى صوتها:" ولا ولا يا حمار يا ابن الحمارة، ان شالله قرد بشتالك، اركب وين ما بدك تركب، ياختي والله الواحد من يوم ما أجا ما بعرف يحكي كلمتين على بعض عربي، نسيت اللغة ، كل كلامي لندني"

المهم أن اليوم مر على خير بدون أي جرائم الا من بعد الإصابات الطفيفة،" بعد ما ركبو ولاد سهى كل الكارات الي صافة قدام منتزه البلدية، وفقعوا البلالين الي عارضها عم محمد صاحب كشك الألعاب، أمام منتزه البلدية" واضطررت أنا إلى دفع ثمنها لأن سهى "ما معها عملة إسرائيلي وكل الي معها لندني" هذا بالإضافة إلى ان أزهار المنتزه جميعها قد سحقت على يد أبناء سهى القادمين من لندون!!، واضطررت للتدخل حتى أنقذ شجرة الصنوبر العالية المعمرة، التي حاولوا أبناء سهى جاهدين، قطعها لحملها على ظهورهم إلى "صفورية"  بناء على وصية جدهم، لاستخدامها للتدفئة في الوكر، اقصد، الديوان الذي يجلس فيه الجد أمام باب بيتهم في منتجع صفورية البلد.

وبعد أن أصيبت ابنتي الصغرى إصابة شبه بالغة في عينها لأن ابن سهى كان يداعبها مودعاً عندما ضربها "بكس" على سبيل الدعابة فورمت عينها، وبكت كثيرا حتى نامت، وأبكتني معها، وسهى تكمل دعابة ابنها وتنظر شررا في وجه طفلتي وتمصمص شفتيها مرددة" والله غنج بنات، والله هادا اسمه قلة قتل"

لكن والله ما هدأ لي بال الا عندما سافرت سهى إلى لندون، ثم ذهبت إلى قرية صفورية  استطلع أخبارها، متلهفة إلى معرفة حقيقة" قصة لندون".
توجهت إلى وكر، اقصد ديوان أسرتها لأسأل عنها، ويا محاسن الصدف، فبعد ان دققت الباب خرجت سهى بكامل أناقتها، مرتدية جلابية مخططة ملطخة برائحة لحم الخروف الطازج، وهي تحمل مصرانا طويلا في يدها كانت تعمل على تنظيفه، ورائحته النفاثة، تعبق المكان ، وصوت زوجها جاعرا من خلفها: ولك خلصت تنظيف الفوارغ ولا لا يا مره ، انهي بدنا نحشيها، الناس بستنو، موتينا من الجوع، ايش هالطبخة المسخمة هادي، حمرة تكك وتك اليوم الي أخذتك فيه"
نظرت إليها من طرف عيني- أخبرتكم أنني لم أصدق حكاية لندون - فقررت أن استغل موقف الفوارغ إكراما للصداقة الرقيقة الجياشة المليئة بمشاعر الصدق والإخلاص التي جمعتنا يوماً.

- أنا: طب يا سهى ايش بدكو تعملوا على الفوارغ، محشي ورق عنب، ولا ملوخية.
- سهى: لا والله بدنا نعمل فت رقاق، ادخلي والله بنت حلال من حظك، ثم شهقت فجأة وقالت: الحجة عمت عينها وهي تصيح- الحجة طبعا حماتها التي تنفخ في فرن الطينة، وتخبز لنا الرقاق الذي سنأكله بعد لحظات، مع مصارين الخروف إياه..._ " ما علينا" وتكمل سهى: الحجة بدهاش ايانا نسافر، صعبت علينا دموعها والله قلنا يالله بعين الله، بطلنا نسافر، ثم تابعت: أصلا فش فرق بين صفورية ولندون، يعني هي لندون من حلاوتها، والله كلها كارات بحمير معبية الشوارع ,الله بعين ، أهلا وسهلا أهلا وسهلا..
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

ليست هناك تعليقات: